الأربعاء ٣ جمادى الأولى ١٤٤٨ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ صباحًا - الساعة ٩:٠١ ص


مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (11) إلّا .. هذه (قصة) منور ملا حسون / العراق

مشاركة

في يوم خريفي .. وأوراق شجرة التوت الصفراء تودع أغصانها ، لتفترش أرض الحقل .. لتبدو لوحة خريفية وهي تناغم أشعة الشمس الذهبية التي ، بدأت تُلوّح بالمغيب شيئاً فشيئا ..وإبراهيم يشقُّ بمسحاته مجرى الماء في حقل الذرة وهو

يدمدم :

ـ تصحيح القومية حملةٌ لا دين لها !! لا.. لن أُغير قوميتي وليكن ما يكون ..!

ثم نظر بطرف عينه إلى والده الذي اتّكئ على الجدار الخارجي لغرفة طينية في الحقل ، وقد وضع يده اليمنى على خده الأيمن ، وكأنه ينتظر ما تُخبّئه الأيام ..

وإذا ..!! بصوت عجلات سيارة  (لاندكروز) يخترق سكون الحقل ، لتقف فجأة ، ويهبط منها رجالٌ ثلاثة .. عَلا من أحدهم صوتٌ غاضبٌ وهو يسأل :

ـ أين صاحب الحقل ؟؟

ـ أنا.. أنا أبو إبراهيم صاحب الحقل ..مَن أنتم ..؟

ـ ليس مهماً أن نُعرفك بنا .. عليكم ترك القرية قريباً…!!

فناوله ورقةً تبليغ بذلك ..

عندها تصلّب جفناه وارتخت عضلاته ولم يعد يقوى على الوقوف ! وابنهُ إبراهيم بجانبه يريد أن ينقضّ عليهم .. فصاح بقوة وهو يشقّ الأرض بمسحاته وكأنه يريد أن يودع فيها غضَبه :

ـ لا لن نتركها..

ـ ستدفعون الثمن باهضاً.. لقد أنذرنا !!

ـ ولماذا قريتنا ؟

ـ لأنها قريبة من مؤسسات البترول .. وستطوق بحزام أمني مع معسكر للجيش ..   أفهمتما ؟؟

 

ثم انطلقت بهم السيارة ناثرة غبارَ الحقل عليهما…

فجلس أبو إبراهيم مذهولا ..وكأنه سيدفن أحد أبنائه .. وقال بحشرجة :

ـ إنه تهجيرٌ قسري ي ي …قريتي هذه كأحد أبنائي ، بل وأعزّ منهم .

وانتشر الخبر في القرية كانتشار النار في غابة جفّت عروقُها عطشا ..فانتابت الدهشة والألم الوجيع أهلها..وهم يترقبون الآتي ، وكأنهم أصبحوا في مخالب المجهول .

بعد أيام .. بدأت حملة اعتقالات غاضبة لكل مَنْ تفوّه مِن أهل القرية بطلب تعويض لداره أو لأرضه ..! وبعد مكوثهم في المعتقل أُفرج عنهم على أن يغادروا القرية في أسرع وقت .!!

بدأ أهل القرية بمغادرتها إلى مجمعات سكنية ، وخيوط الذكريات تربطهم بعروق أرضها ، وفي أعماقهم مشاعر الغبن والإستياء ..

لكنّ أبا إبراهيم لم تُطاوعْه نفسه، فنصب له خيمةً قرب داره التي تحتضن قطعاً من الأثاث .. وفي زواياها أيامُه التي دُفنتْ في حُطام زمنٍ لا يرحم .. وإذا .. !

بالمكائن تهدم داره أمام عينيه ، فاعتصره الأسى ، حين تناثرت أحلامه في فضاءات غبار الهدم ..! وبحركة غريبة توجه نحو الدار غير آبهٍ بخطر المكائن وهو يستغيث :

ـ إلّا هذه .. إلّا هذه ..!!

فاحتضن صورة ابنه الشهيد ، كي لا تتلاشى وسط الأنقاض .. وإذا بصخرة هوجاء تستقر فوق رأسه ، لينال بها كبرياءَ الشهادة ، وشفتاه ملتصقتان بالصورة ..!!

 

 

 

اترك رد