ابتلع الظلام ضجيج المخيم رويدا ..رويدا , وأخذ السكون يعم الأرجاء ما أن غاب القمر منتصف الليل , بدت الثريا شديدة اللمعان ووضحت العقرب وبنات نعش كالفوانيس في السماء ,ورسم درب التبانة هالة من الغبار السماوي ليضيء الطريق أمام التائهين , حينها أوى الجميع لمهاجعهم . وانا مسترخية على أريكة ركنت عند طرف الرواق لا أدري لم خالجني شعور أن الليلة حبلى بالكثير , ومع ذلك غالبني النعاس لمشقة التحاقي لمركزاستقبال المرضى النازحين الصحي ,وقبل أن تستسلم جفوني لسلطان النوم , جفلت من سرحتي التي لا ادرك كم من الثوان مرت عليها , حين هز مسمعي أنين وكأنه الأستغاثة , استويت على جذعي , وراحت خطواتي تتبع مصدره , تعاظم عند باب الردهة , ثبت أمامه , وبمهارة تمرنت عليها شرعت الباب دون صرير أو صوت , ورحت أنقل خطواتي على رؤوس أصابعي بخفين نسيجين لتحاشي ايقاظ النائمات , أدركت طرف القاعة , فوجدت نفسي محاصرة بين أربع أسرة على شكل صفين متقابلين ينبعث من كل واحد أنين متفاوت النغمة وشدة الصوت . المرافقات كن مستلقيات على فرشهن لكنهن يقضات ,فما أن شعرن بوجودي حتى بدأن يتنحنحن وانقلبن على جنباتهن الأخرى ,عدا مرافقة المريضة التي يعلو انينها على الآخريات فقد نهضت من فورها ما أن دنوت منها .
ما علتها ؟ سألتها
تكابد آلام جرحها الواسع الذي تركه بتر ثديها ,اجابتني , أدركت ان المسكنات التي أمر الطبيب بتناولها عجزت عن تخفيف آلامها .
الآخريات ما علتهن ؟؟ كررت سؤالي .
ما سمعته أن الصبية التي تحاذي مريضتي قد تعرضت لعضات مجندة محترفة لدى داعش من مناطق جسمها الحساسة , اما التي تقابل مريضتي لديها انهيار نفسي من كثر نحيبها على ابنتها المنتحرة , وبنفس الحالة تعاني جارتها جراء فقدان ابنتها الصبية أثناء نزوحها .
ماذا عساي ان أفعل ؟ سألت نفسي ورحت ابحث عن اجابة شافية لسؤالي دون جدوى , تمنيت لو حملت آلامهن بين جوانحي كي يخلدن للنوم ويزجين هذا الليل الذي أرخ سدوله وبدا لا فجر وراءه .
لا بد من سبيل .. كررت مع نفسي , ورحت انبش ما مدون في دفاتر ذاكرتي من وسائل رحمة , السن ملقبات بملائكة الرحمة ؟ فكيف لا أظفر برحمة تنتشلهن من هاوية العذاب , وتكون بلسما يشفي صدورهن من جمرات الأنين . أخذت اجوب القاعة ذهابا وايابا سارحه بافكاري التي حلقت بي لأيام دراستي في معهد الممرضات . شعرت ان مهمتي ليست يسيرة , وعلي أن استعين ليس من دراستي وتجربتي الحياتية حسب , انما من اقوال الحكماء والمفكرين . غصت في يم من الأفكار , فبرق أمامي القول الشائع ( أذا سمعت مصيبة غيرك هانت عليك مصيبة غيرك).
عدت لهن وأنا يحدوني أمل أن القول لم يطلق جزافا , وفي حالة موافقتهن على اقتراحي سيسري مفعوله الشافي في صدورهن .
رحبن جميعهن بالفكرة , وحلقن المرافقات حولي فيما بقين المريضات ممددات على فراشهن , احسست أنهن متهيئات للبوح ما لديهن , وكن ينتظرن اشارة البدء , وأرتأيت أن يكون بداية الحكي من عند التي فقدت عقلها على ضياع ابنتها , رفعت سبابتي واشرت لمعينتها قائله : لك الحكي .
احمر وجهها وراحت تداري خجلها بفرك راحتي كفيها ببعضها , شجعتها على النطق , وأكدت لها ان المرضى سيصغون لأحاديث غيرهم وينسون آلامهم .
رفعت هامتها للأعلى ,مسحت خديها الشاحبين من كثر السهاد والخوف باطراف أناملها , بلعت ريقها ,تنحنحت عدة مرات ,لتوسع للكلمات أن تتساقط من بين شفتيها كما تتساقط حبات العقيق في خيط المسبحة .
أنا الثانية لبناتها الأربع وولد , عشنا معها في كنف بيت ابي الذي هو ضابط في الجيش العراقي ,عدا الكبرى التي كانت تسكن بيت زوجها , واثناء وصول داعش لمشارف تلعفر , اتصل أبي بأمي وأمرها الرحيل بنا مع النازحين , حاولت امي لملمت ما خف حمله وغلا ثمنه في صرة نتعاقب على حملها , ألا ان أزيز الرصاص وأنفجارات قذائف الصواريخ وقنابر الهاون التي بدت قريبة جدا ,لم تترك لنا خيار سوى النفاذ بجلودنا .
تابعنا السير مع الجموع الذين سلكوا طريقا نيسميا يمر بمناطق وعرة , غالبا ما يسلكها رعاة الماعز للوصول الى مراعيهم في أعالي الجبال ,متحاشين الشوارع الرئيسية خوفا من الوقوع بقبضة داعش , أزدادت حلاكة الظلام مع تصاعد الغبار الذي تثيره حركة الأقدام المتخبطة في جنح ذلك الليل , فسقطت والدتي مرتين , وادمى ذلك ركبتيها وعكسيها , مما حدى بي واختي التي تليني في العمر من الامساك بكفيها , كي تتعكز علينا ونحول دون تكرار سقوطها , وتركنا أخونا واختنا الصغيرة يتبعاننا حرّين , وبين كل فاصلة من تلك المسيرة تصرخ بنا أمي متسائلة : هل الجميع حولي ؟ فيأتيها الجواب بالايجاب ,تارة مني وتارة من اختي المتضامنة معي في رفع الأذى عنها , وبعد ثلاث ساعات من المسير , توقفت أمي فجأة , وانتزعت معصميها من غلينا عنوة , أفردت نفسها خطوتين للوراء , التفينا حولها باستغراب واندهاش كبيرين , حملقت بنا فردا ..فردا , اعادت مسح وجوهنا , تفحصتنا من جديد بالضرب على اكتافنا براحة كفها الأيمن مع ذكر اسمائنا ,نادت بصوت خافت أول الأمر : أمينة ..أين أمينة ؟ صرخنا وراءها بسرعة أمينة ..أمينة ,ولما لم يأتي ولو صدى لندائنا صرخت أمي بهستيريا لم نألفها منها سابقا : أمينة …أمينة .
تحفزت المستمعات ,وانطلقت آهة من حناجرهن لذلك الفراق المأساوي , أغرورقت حدقتا العيون بالدموع , ولأول مرة نست ذات الثدي المبتور أنينها ,وراحت تطلق آهات حسرة على فقدان أمينة ,ثم تصالبت على كوعيها دافعة بجذعها الى الأمام , كي تكون بهيئة الجلوس للأقتراب أكثر من الراوية . في حين تكورت المعضوضة حول نفسها وأخذتها نوبة من البكاء الصامت , وفي محاولة منها الأنقلاب على جنبها الآخر , لامست براحتي يديها ضمادات اماكنها المعضوضة ودورت نفسها لتكون قريبة من حلقة الحكي . أما أم المنتحرة قد خف انينها وهجعت على سريرها منصته ومترقبة لما سيحدث للصبية المفقودة .
عزمت أمي العودة لديارنا لتقتفي أثر أمينة ,بيد أن غالبية الراشدين اعترضوها ,موضحين لها ان عودتنا تعني الهلاك ونكون لقمة سائغة لداعش , وقال لها أحد الأعيان بالحرف الواحد : عذرا على عدم موافقتنا عودتك , وبصراحة لأننا من غير المعقول أن نسمح لأنفسنا تركك تقبلين على الأنتحار أنت واولادك أمام انظارنا ,وأن فقدان ابنتك الصغرى خسارة لنا جميعا ,وكلنا أمل أن نعثر عليها في قابل ألايام . وهكذا انقادت أمي عنوة مع رتل النازحين الى المجهول , ومن ذلك الحين ظلت تلهج باسمها ليل نهار,لغاية تفاقم حالتها النفسية بعد ظهور أعراض الهذيان , حينما تقوم من نومها تفتش عليها وتتكلم معها .
رفعن كفوفهن ودعون بصوت واحد : رب إحفظ أمينة من كل مكروه وعد بها لديارها ,وأبرء امها من بلائها .
وجدت من المناسب أن تكون الساردات حسب تسلسل المكان ,لذا التفت لمرافقة أم المنتحرة وأنبأتها بدورها في سرد حكاية مريضتها .وانصاعت بكل لطف لطلبي .
انا أرملة ابنها الكبير الذي اعدمه داعش مع اخوته الأربعه فجر غزوهم ديارنا في سنجار , غصت بحشرجة الكلمات في بلعومها مطرقة للحظات ,تنحنحت قليلا ثم واصلت : مع أني الناجية الوحيدة من بين زوجات اولادها وبنتيها اللآتي سيقن سبايا ,إلا أني ومن كثر ما واجهت من رعب وخوف شديدين الى الآن غير مصدقة نفسي اعيش هنا بينكم وبعيدة عن قبضة داعش , شاءت الأقدار أن اكون في تلك الليلة عند ضيافة بيت أهلي , الذي يقع في قرية على مبعد فراسخ من القرية التي يقع عندها بيت أهل زوجي , لذا كنا قد سبقناهم بالفرار ما أن تناهى لمسامعنا انباء الغزوة .
.. أثناء النزوح كان نواح الأمهات يضيع صداه في الفيافي وعند محطات الشتات بحثا عن فلذات إكبادهن , وعلى مبعد مسيرة يومين من ديارنا ,كنت أغالب نعاسي في الهزيع الأخير من ليلة غاب عنها القمر بعد أن سكنت الريح وسطعت نجومها , ارهفت سمعي لنواح أحدث رعشة في كل خلاياي ما أن مس طبلة أذني , قعدت على قفاي ادير برأسي ,نهضت واقفة وراحت خطواتي تتعقب النواح الذي أحسست بفراستي أنه من بعضي , بدى الصوت مألوفا عندي وانا على مبعد خطوات ,تقدمت ,لأجدها في نحيب لا ينقطع : أولادي …بناتي .., جثوت أمامها , ربت براحتي يدّي على كتفيها ,ثم هبطت بهما متلمسه كفيها هامسه : أبنتك نجيبة ,شهقت من مكانها مولولة: نجيبة ..نجيبة , وحضنتني بكلا يديها , شابكة كفيها وراء ظهري , وبنشيج عال راحت في نوبة طويلة من البكاء وهي تردد : أولادي …بناتي .
من جديد نسين المريضات أنفسهن وغاب عنهن الأنين وأخذن يقتربن من المشهد أكثر ,فيما أخذت باقي المرافقات يصفقن بكفوفهن حسرة والم على ما جرى لأم المنتحرة , ثم صحنَ جميعا متسائلات عن مصير زوجات اولادها وبنتيها المسبيات , فاسترسلت : ليس باستطاعتي وصف مشاعر ثكلى فقدت جميع ابنائها , لكن يمكنكن أن تتخيلن حجم الآلام التي تكابدها كل يوم , بل كل ساعة , لا بل كل لحظة , فهل يبقى لديها شعور وهي في الرمق الأخير حين أتاها نبأ أنتحار ابنتها الكبيرة جيهان . فصحن جميعهن ..لا..لا , ثم تسائلن بلهفة من يروم أدراك خبر عزيز عليه : كيف جرى ذلك ؟؟؟ .
__ جاءت أنباء من بعض قريناتها اللآتي عدن من الأسر أن أحد أمراءهم فتن بجيهان التي حباها الله بجمال العرق الأيزيدي ,الذي لا يضاهيه جمال ,وعلاوة على ذلك كانت تتمتع بفطنة وذكاء جلبا لها الحسد من أغلب زميلاتها عند مراحل دراستها الثلاث في جامعة الموصل ,فكيف تستسلم من تميزت بتلك الخصال ومن امتلكت أرومة الأرتباط بقومها وأهلها وبيئتها , فما كان منها حين أزفت ساعة أكراهها على زفافها لذلك السافل إلا أن تضع حدا لذلك المصير المشؤم ,فقطعت شريانها عند معصمها الشمال بمدية باشطة عثرت عليها في مكان اسرها صارخة ( ولدت أيزيدية .. وسأموت أيزيدية ), فهوى الخبر كمطرقة تزن اطنان على هامة أمها .
توشحن المستمعات بحزن شديد على فاجعة جيهان ,وعلا تأوهن لنهايتها التراجيدية ,ومرة أخرى غاب ألانين عن المريضات والتحمن بمشاعرهن مع مشاعر أمها التحاما يصعب انفصاله بتلك اللحظات .
تركتهن لفترة وجيزة غارقات في الفة ومودة لا حدود لها وخرجت اتطلع الى ستارة الليل ,كنت أحاول أن اسبرحدودها لعلي أدرك خيوط الفجر ,لكني عبثا حاولت ,فما زالت النجوم تسبح بافلاكها, فلم يتحلحل الميزان من مكانه والمجنون ما زال في اول انتظاره لليلاه .
عدت لهن مدركة مكاني وسط حلقة الحكي ,قطعن دردشتهن ,وأخذتا مرافقتي صاحبة الثدي المبتور والمعضوضة تتلفتان بخجل وارتباك , حينها سارعت بالأشارة لمرافقة المعضوضة وناديتها : حان دورك ..,كي ارفع عنهما التكلف وتدرك كل واحدة دورها في الحديث .
جالت بنظراتها حول الجميع , ازدردت لعابها وكأنها تزيح ما هو عائق كي تسمح لبوحها الأنفلات من حنجرتها ,وبصوت اتعبه الحزن لكنه يقطر الفة ومودة تدفقت الكلمات من بين شفتيها كشلال من الدموع :
_ ندى أصغر بناتي الثلاث ,اللآتي ربيتهن على المحبة ,وسقيتهن من ينبوع السلام والتآخي الذي فطرت عليه خلل حياتي التي عشتها بين ابناء بلدتي ,التي يرقد ابنائها على نواميس الصفاء والنقاء وترعرعوا على الثقة وحسن التجاور ,وما أن حل داعش على ديارنا سارع في حل تلك المواثيق والعهود التي دامت قرون بيننا ,ومزقنا طوائف وملل , مكرهنا على قبول فتاواه وشرائعه ,منها ارتداء الحجاب والخمار , ولم تعتد ندى على لبسهما ,وكثير من الأحيان كانت تتذمر من الضيق الذي تتسببانه لها ,لكننا نلزمها على التقيد بهما أثناء الخروج خوفا عليها ,وذات مرة غفلت ندى عن لبسهما وهي تمرق عبر زقاقنا لبيت صديقتها الذي يقع على زقاق ليس بعيدا عن دارنا , استشعرت تأخيرها وخرجت أبحث عنها , فجاءني الخبر أنها أقتيدت من أحدهم , وستظل رهن الاعتقال لحين اقامة الحد عليها , وفي اليوم التالي قبل الغروب سمعت طرقات متتالية شديدة على باب دارنا , هرعت من فوري نحوه لاتقصى الأمر, يحدوني أمل بعودتها سالمة , شرعت الباب على سعته فوجدتها ملقية امامه ,مكوره نفسها وتأن من آلام مبرحة , كفيها كورتهما حول رمانتي نهديها واناملها خضبت بالدماء ,أخذني هول الصدمة بادئ الأمر, انحنيت لها وأنا أرتجف من خوفي عليها,أصرخ تارة واعود اتفحصها تارة أخرى, فطنت لنفسي,وادركت ان على التفكير بانقاذها بدل العويل, فامسكت بذراعها الشمال ولفيته حول رقبتي ,ثم احطتها بذراعي الأيمن ونهضت بها بعد أن تعكزت بركبتي الشمال ,جرجرتها داخل المنزل تتبعنا قطرات دمائها وهي تسحل بخفيها , قدتها لفراشها وهي تتلوى ألما ,نضيت عنها ملابسها لأدرك اماكن جروحها ,فوجدت ثلاث اماكن حساسة تعرضت للنهش بانياب حادة ,فارتعدت مرة أخرى وصرخت :من فعل هذا؟؟؟ ولما لم تحر جوابا غير انينها وارتجاف شفتيها ,وجدت من المفيد اولا ان اسعى على اسعافها ,فلملمت كل ما مذخور لدينا من لفافات طبية مع زجاجة مطهر وعقاقير مهدأة ,كنت اتعاطاها أثنا وجع الروماتزم المصاحب لي , ضمدت جروحها وناولتها قرص مهدأ ,عندذاك استنطقتها بصعوبة وهي تغالب أوجاع جروحها ,مستفهمة منها أن مجندة محترفة فعلت ذلك ,وروت لي كيف أنها حاصرتها في غرفة ضيقة لتتلو فتوى حكمهم عليها , ومن ثم دفعتها بقوة لتسقط على ظهرها ,ثم تجثو فوقها وتميط النقاب عن وجهها ,الذي وصفته غاية في القبح ,عوراء ذات حاجبين كثان ,شعرها قصير مجعد حين بدت امامها حاسرة الرأس .
قطبن المستمعات حواجبهن ورحن يترقبن مآل ندى وهي بين مخالب المجندة ,فاغرات فاههن ببلادة وخوف عليها ,فيما انطوت ندى على نفسها وانقلبت على الجانب الذي يبعدها عن حلقة الحكي ,كي لا تنكأ جروحها من جديد .
انتابت الأم نوبة من البكاء الصامت واخذت تمسح باناملها دموعها الجارية على خديها وهي تواصل حكاية ابنتها على لسانها .
أخذت تمسد بشعر ندى الناعم الحريري وهي تخاطبها : أيها الفاجرات لما لا تتعظن بحدود الله ,وهنا أخذت ترتعد كالفأرة بين مخالب القط وهي تتوسلها: لم اجن ذنبا ,فترد عليها وهي ما زالت تمسد شعرها ..كل هذه العورة التي عمدت أن تظهريها خارج حدود الله ولم تذنب ؟ ,مررت مخالبها على خديها وأنزلقت نحو فاها وحنكها ثم تنحدر تحت رقبتها وتعمل على فك ازرار قميصها ,فظهر لها صدرها البض ,وعلى حين غرة كشرت عن انيابها الكريهة لتنهش رمانة صدرها الأيمن وتقضم قطعة منها ثم تبصقها ,هنا واصلت الأم حديثها وهي تجهش بالبكاء : وتكررفعلتها مع الشمال وتعود تبصق ما قضمته , ليشب من جرحيها الما لا يمكن لصبية في مثل عمرها أن تتحمله ,تغرق في دوامة الصراخ الهستيري ,غصت الأم مرة أخرى بالبكاء ثم استأنفت : لكنها تغيب عن الوعي بعد هنيئة من الوقت ما أن اجهزت عليها المجندة بعضة ثالثة ما فوق فخذيها ,وباحت لي انها استعادت الوعي قبل أن يسجوها امام دارنا بقليل ..
توقفت أم ندى عن البكاء ,كفكفت دموعها ما أن ختمت حكايتها ,وكأنها أزاحت عن صدرها ما كان يثقل همومها ,رفعت ذي الثدي المبتور كفيها الحانيتين متضرعة بالدعاء لأجل براء الأبنة, ومثلها فعلتا فاقدتي الرشد , فيما زحفن اليها بقية المرافقات يربتن على كتفيها ليخففن عن آلامها ويطمئنانها على سلامة ندى .
حان دور الساردة الأخيرة ,وما أن مضى بضع دقائق ختمن بها ما كان متعلق بقصة المعضوضة, حتى حاصرتها الوجوه من كل الجهات متلهفة ما تنطق به عن ذات الثدي المبتور ,فعاجلتها كي اوقف ترددها : لك الحكي , تورد خديها ,زمت شفتيها وتباعد مابين حاجبيها ,وبارتباك شديد راحت تفرك بكفيها ,ملتفته صوب مريضتها عدة مرات , أدركت انها في حالة حرج شديد , ووجدت نفسي فجأة امام مهمة ليست يسيرة ,فذات الثدي المبتور استمعت لحكايا جاراتها المريضات الثلاث ,وكان ذلك مبعث راحة واستقرار لعافيتها ,فقد خف أنينها الى حد التلاشي ,ولكي يتم تبادل المنفعة علي البحث عن طريقة لأستنطاق مرافقتها وروي ما لديها للمريضات والمعينات اللآتي جميعهن زاد فضولهن وأرهفن السمع لحكاية بدت لهن فريدة وتراجيدية .
هل هناك عائق لروي ما عندك ؟ سألتها
لا ..ردت علي ثم أردفت : كل ما هنالك أنا جاهلة لما حدث لعمتي ,ولم التقيها إلا في هذه الردهة بعد أن تم اختياري مرافقة لها من قبل أبي .
أزداد الأمر صعوبة علي وشعرت أني ولجت دوامة من الحيرة ,وما أن هممت لمعاودة سؤالها جاءني الرد من ذات الثدي المبتور مسترسلا وخالي من الأنين:
دعينا نخرج عن المألوف وأروي قصتي بنفسي ,انتبهت لها فوجدتها قد اتخذت هيئة القعود واتكأت بظهرها على مسند سريرها من طرف الوسادة , كانت بحالة تسمح لها بالكلام ,وكنت بحاجة للأطمئنان عليها ,فصدى انينها اول الليل ما زال عالقا في مسمعي ,وبنفس الوقت حفز خروجها عن الصمت الى ترقب المستمعات بشدة لقصتها ,وصدر عنهن مناشدات للسماح لها بالكلام . نهضت من مكاني ودنوت منها ,همست لها : كلنا لهفة أن تأتي الحكاية على لسانك ,بيد انني أخاف عليك ,فصحتك أولا .
وبأبتسامة متفائلة ردت : لا تخافي ..
تفضلي ..قلتها بصوت سمعه الجميع , وعززتها باشارة البدء بذراعي الشمال الممدودة .
_ شكرا لمواساتكم ..فكل ما بحتنّ به هنا هو عزائي الوحيد , الذي شد من أزري وهون علي مصيبتي ,وعظم في داخلي شعور العيش من أجل الآخرين وليس لذاتي فقط , وهذا ما شجعني أن أف بواجبي وأتلو عليكن ما جرى علي من محنة .
ما تناهى الى اسماعكم من أنين عال , ربما قض مضاجعكم لساعات ,ليس مصدره آلام ثديي المبتور أبدا ,رغم آلامه المبرحة ,انما جرح بداخلي أعمق منه . تنهدت ثم اطلقت آهة حزينة , فيما شنفن المريضات والمرافقات اسماعهن لأستقبال ما ستفوه به بلهفة شديدة . اطرقت قليلا ثم غصت بكلماتها وهي تجهش بالبكاء : تصوروا ما فعلوه كان اقسى من الموت علي , كنت مع ماري وابوها قد انجمعنا بصف متراص داخل غرفة الضيوف نصطك هلعا ونرتجف خوفا امام المجموعة التي داهمتنا فجأة, لنتلقى أول فتوة من اميرهم ونحن بتلك الحالة بصوت جهوري غليظ : اعلنوا اسلامكم ..ولم اتوقع من فلذة كبدي التي بالكاد اتمت خمسة عشر ربيعا أن تكون بتلك الجرأة ,وترد على فتوته بغضب : لن نترك ديننا لو كان الموت دونه أيها الخرف ,فتبادل الأشارة مع حامل المدية بجانبه , فما كان منه غير أن يلتقط خصلة شعرها المتدلية على جبينها بكفه الشمال , ويسحبها بعنف نحوه ,تهاوت على الأرض ,إلا أنه منعها من السقوط حين لوى ركبته وراء ظهرها وجعلها في وضع البروك , وما أن هوى بمديته لينحرها صرخت بهستيريا.. لا ,ورحت في غيبوبة حين شخب دمها امام ناظري , واصلت نشيجها تذرف دموعها بلا انقطاع ,فيما اطلقن المستمعات آهة كأنهن تعرضن للدغة عقرب بآن واحد,يصفقن بكفوفهن تارة ويلطمن على خدودهن تارة أخرى, فاقدتي الرشد على بنتيهما تصالبا على سواعدهما ورفعا ظهريهما ,اتخذا هيئة القعود ورفعا كفوفهما يناديان .. كان الله في عونك ..كان الله في عونك ,اما المعضوضة فقد تكورت على نفسها متلمسه نهديها براحتي كفيها وتغط بنوبة بكاء صامت .
بعد فترة وجيزة عادت المستمعات الى صمتهن يترقبن بلهفة ما ستفوه به عن حكايتها المؤلمة ,تباطئ نشيجها ثم انقطع ,ازدردت لعابها مرتين واستأنفت : ليتهم نحروني مثلما نحروها قبل أن اعود من غيبوبتي, كي لا تطبع بذاكرتي صورة ماري وهي مقطوعة الرأس تسبح ببركة دمائها بدل ان يبتروا ثديي الشمال حين اندلق من فتحة ثوبي الذي مزقته بكلا يدي خارج أرادتي, تصوروا لم يقم وزنا لحالتي تلك ,بل كنت خليعة وانتهكت حدود الله في شرعهم ,فاختلط دمي بدمها في بركة واحدة , ..غصت من جديد وتعالى نشيجها بالبكاء ثم أردفت : عرفتن الآن لمَ نحيبي وأنيني ؟..
جميعنا واسيناها وكفكفنا دموعها بآيات الرحمة والسلوان وعطرنا مسمعها بشذى المودة والحنان وشددنا من أزرها بالتفائل وملأنا روحها بالأمل ,ووعدناها بزيارة جماعية لقبر ماري ما أن نعبر المحنة ويعود الجميع لديارهم .
تمددت على سريرها مسترخية ,ومع شحوب لون بشرتها إلا أن غلالة لابتسامة فاترة ظهرت على طرفي فمها اشاعت بشاشة واضحة على ملامحها , حينئذن تنحنحت لأجلب انتباههن ثم ناديتهن برفق : أتمنى أن تخلدن للنوم لتأخذن قسطا من الراحة . تركت الردهة ومضيت بخطواتي خارج السور ليمتد أمامي خلاء تكشفت موجوداته بلون فضي داكن ,فاشرأبت بهامتي نحو النجوم فوجدتها غابت عدا نجمة سهيل وخيط الفجر قد لاح من وراء الأفق ,عدت الى داخل الردهة على رؤوس أصابعي ,أرهفت سمعي لحظات, فلم يأتين غير صوت انفاسهن وهن يغطن بنوم عميق .
جريدة القلم الحر المصرية جريدة القلم الحر المصرية www.qlm-hor.com موقع صحفى اخبارى متكامل