الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة)الأرواح المتشابهة(قصة) مريم حنا / مصر

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة)الأرواح المتشابهة(قصة) مريم حنا / مصر

نسمة عطا عياد حنا(مريم حنا)مصر – الفيوم – قصة
الأرواح المتشابهة

جلست على طرف سريرها بغرفتها في بيت أبيها والتي عاشت فيها أجمل سنون عمرها؛ عاشت فيها طفولتها، ومراهقتها، وبداية شبابها، وها هي تعود إليها بعد ما يقرب من خمس سنوات مرت عليها كأنها خمسة آلاف عام .

أمسكت بمرآتها الصغيرة المستديرة وأخذت تتأمل ملامح وجهها البيضاوي الذي أخذ من طمي النيل لونه، وأخذت من مياهه لمعانه وصفائه، ومن مجراه حيويته وتدفقه.

شهية النظر هي كلوحة فنية رُسمت بعناية فائقة، عينيها تشبه في لونهما لون عسل ملكات النحل الذي لا غِشَ فيه، تتمتعان تلك العينين بعمق آبار العيون الجوفية في صحراء الواحات الغربية، فتكون رياً للظمآن في يوم مكتظ بالحرارة، شفتاها المكتنزتين كقطعتي قطائف محشوتان بأشهى أطعمة التمر وأجود أنواعها، قطفت ثمارها من نخيل أنفها الشامخ الشاهق العلو.

تعتز بشخصيتها كاعتزاز أبو الهول بين إهرامات الجيزة بثباته وصلابته وصموده آلاف السنين أمام متغيرات الطبيعة وعوامل المناخ دون أدنى تأثر منه.

عُرفت بين أترابها بذاك اللقب المحبب لقلبها “نفرتيتي” نظراً للتشابه الكبير بينها وبين الملكة “نفرتيتي” ملكة كيمت أو مصر القديمة .

عشقت تاريخ بلادها وخاصةً التاريخ الفرعوني، ما جعلها تتخصص في دراسته وتتفوق فيه، تخرجت في كلية الآداب قسم التاريخ، وكان ترتيبها الأول على دفعتها ما أدى إلى تعيينها معيدة في نفس الكلية التي درست فيها بجامعة المنيا.

تعلق قلب أستاذها الجامعي بها، لفت انتباهه جديتها التي لا تخلو من بعض اللهو والشقاوة، وتفوقها الدراسي وثقافتها، وقوة شخصيتها المحلاه بابتسامة ساحرة لا تفارق وجنتيها .

في نهاية السنة الرابعة وقبل تخرجها ببضعة أشهر قليلة صارحها بحبه لها، وهي لم تنكر أنها معجبةٌ به؛ فهو وسيم، جذاب، مشهود له ولعائلته بالأصالة والسمعة الطيبة، اتفقا على الإرتباط بعد تخرجها من الجامعة، وبالفعل انتظرا حتى حصلت على ليسانس الآداب وقبل تعيينها معيدة بالجامعة تمت خطبتهما بمباركة الأهل، فلم يكن لوالدها أن يرضى لها بأقل من زيجة كهذه، حيث أنها ابنته الوحيدة الذي رزقه الله بها بعد أكثر من خمسة أعوام من الانتظار، لذا كانت تتمتع بكل صنوف الدلال والاهتمام من والديها، وبالرغم من ذلك كانت فتاة يُعتمد عليها شأنها في ذلك شأن كل ششششششكل فتيات الصعيد الجادات المتحملات المسئولية، والتي علمها إياها أبوها كما علمها حب التاريخ منذ نعومة أظفارها .

تم الزواج بعد عام من الخطبة، وكان يوم زفافها على حبيبها هو أسعد أيام حياتها، نعم حبيبها؛ فلقد أحبته حباً جماً في فترة خطبتهما ولمَ لا؟! وهو الذي أحبها أولاً، وحبه واهتمامه الشديدين بها جعلها لا ترى في الدنيا غيره.

مرت سنوات زواجهما الثلاث الأولى سعيدة، هادئة، مستقرة، رزقا خلالها بابنتين جميلتين كانتا هما محور إهتمامهما ، غير أن زوجها تمنى لو أنه قد رزق بصبي يحمل اسمه ويخلد ذكراه من بعده، ظلت تلك الرغبة تراوده إلا أنه كان كثيراً ما يكتم رغبته تلك خوفاً على مشاعر زوجته التي لا ذنب لها في إنجاب البنات إلا أنها كانت تشعر بقلب الأنثى رغبة زوجها الدفينة، وحملت للمرة الثالثة، وهنا لم يكن باستطاعته إخفاء رغبته القديمة في إنجاب ذكر، وكان يدعو الله نهاراً جهاراً بتحقيق رغبته هذه المرة، وكان يقول لزوجته أنه يشعر بأن الله سيرزقه هذه المرة بالصبي الذي لطالما تمناه .

وكانت كلما سمعته يصرِّح بذلك غاص قلبها في تجاويف صدرها خشيةً خذلانه هذه المرة أيضاً . وكانت تدعو بينها وبين ربها أن يرزقهما الله بالولد ولي العهد المنتظر حتى لا تشعر بالخزي أمامه، ففي الصعيد لازالت بعض العقول برغم ثقافتها تنظر لإنجاب الذكور بأنها الحُظوة والأكثر تميزاً بين الأقران .

أخبرها طبيبها أن الجنين بنتاً أيضاً، فكانت صدمتها كبيرة واضطرب قلبها وأخذت تفكر كيف ستخبر زوجها بالخبر ولا تدري ماذا سيكون وقع الخبر عليه .!

عندما علم بالخبر حدث ما كانت تخشاه، فقد تغيرت ملامحه وتغيرت معها معاملته لها، فبدأ يعاملها بقسوة شديدة وتجاهل وإهمال مميت، وكأنه بذلك يعاقبها على أنها لم تستطع أن تنجب له ولداً، حتى إنه يوم ولادتها لم يكن برفقتها في عيادة طبيب التوليد كالمرتين السابقتين، بل ظل يتسكع في شوارع المدينة حتى هاتفوه وأبلغوه بولادة زوجته، وأنها الآن في بيته مع مولدتهما الثالثة وابنتيهما الأولتين .

عاد إلى بيته في نهاية اليوم ولم ينبس ببنت شفة، حتى أنه لم يحاول أن يرى مولدته واكتفى فقط بأن قال لزوجته دونما إهتمام “حمدالله على سلامتك” .

حزنت زوجته لتماديه في معاملته السيئة لها فعاتبته مذكرةً إياه أنه لا ذنب لها في إنجاب البنات وأنها إرادة الله وحده ، وأنه يجب عليه الحمد والشكر لله بدل من التذمر والاعتراض على مشيئته، فكان رده صادم ولم تكن تتوقعه ، أخبرها بكل هدوء أنه سيتزوج عليها وأنه سينجب الولد من زوجته الثانية .!

لجمت الصدمة لسانها ولم تدرِ وإلا والدموع الحارة تنسال على خديها غير مصدقة ما سمعته، وتمنت في تلك اللحظة لو أنها كانت في حلم أو كابوس، وتمنت بالأكثر لو أنها ماتت قبل أن تسمع زوجها وتراه يقذف بكلماته الباردة تلك في وجهها ويحطم شغاف قلبها .

غضبت واصطحبت بناتها الثلاث وذهبت إلى بيت أبيها مقررةً الطلاق لأنها لا يمكنها أن تستمر معه في وجود زوجةً أخرى ، حاول الأهل التدخل والصلح بينهما بأن يجعلوه يعدل عن قراره بالزواج بأخرى أو بأن يقنعوها هي بالعدول عن قرار الطلاق لكن دون جدوى، فكلٌ منهما لم يتنازل عن قراره .

حدث الطلاق، وبالرغم من أنها هي من طلبته وأصرت عليه إلا أن قلبها تحطم فور حدوثه، فالطلاق بالنسبة لأي امرأة يعني الكثير، يعني الفشل، والنهاية، والخذلان، والعار.

مرت الأيام والشهور التي تلت الطلاق ثقيلة، والذكريات عنيدة لا تأبى إلا أن تجسم على صدرها في تحدٍ سافر لقوة تحملها .

حاولت الخروج من أزمتها بأن شغلت نفسها بعملها في الجامعة وبتربية بناتها حتى يتسنى لها النسيان والبدء من جديد .إلا أنها سرعان ما تعود لشرودها بمجرد ذِكر اسمه أمامها من إحدى بناتها أو أحد زملائها في عملها بالجامعة، أو إذا لمحته يدخل مدرج المحاضرات أو يخرج منه، برغم تظاهرها بالتماسك واللا مبالاه التي كانت تظهرهما في نظرات عينيها الثابتة ووجها المتجهم .

علمت أنه تزوج بالفعل وبعد شهور قليلة حملت زوجته الثانية ، انتظرت سماع أخباره وكانت تنتظر موعد ولادة زوجته كما لو كانت هي من ستلد ، حتى جاء موعد الولادة وعرفت أنه رزق بمولودتين من الإناث، وبذلك أصبح أب لخمس بنات، ولم يحظ بإنجاب الذكر الذي طلقها لأجل إنجابه من امرأة أخرى، وكأن القدر يعانده، غمرتها سعادة غامضة في تلك اللحظة وكأن عدالة السماء انتقمت لها بأن حرمته من إنجاب الذكور .

تذكرت في تلك اللحظة أنها لم ترث عن “نفرتيتي” جمالها وقوة شخصيتها وملامحها فقط، بل ورثت عنها أيضاً حظها التعِس، حيث أن الملكة التعيسة لم تنجب بنيناً بل أنجبت من البنات ست بنات، ما دفع زوجها “اخناتون” للزواج بنساء أخريات طمعاً في إنجاب البنين، ولم ينجب “اخناتون” أيضاً ذكوراً برغم زيجاته المتعددة ومحاولاته المستميتة في إنجاب ولد ذكر واحد يخلد اسمه، ما أشبه اليوم بالبارحة.!

تذكرت أيضاً أن كل تلك الأحداث التاريخية حدثت في منطقة “تل العمارنة” والتي كانت تعرف قديماً باسم “اخيتاتون” والتي تقع بمدينتها التي ولدت وترعرت وعاشت فيها مدينة “ديرمواس” بالمنيا شمال صعيد مصر.

تساءلت ما عساه يكون هذا التشابه الغريب بالأحداث والشخصيات والأماكن؟ هل هو محض صدفة أم أن روح جدتها “نفرتيتي” قد تلبستها، وصبغت عليها من شخصيتها وأحداث حياتها كما لو كانت كل تلك آلاف السنين لم تمر، أو كما لو كانت هي نفسها “نفرتيتي” القرن الواحد والعشرين .!

 

5 تعليقات

  1. الاروع مرورك العطر وقراءتك للقصة حبيبتي بثينة صديقتي المبدعة الجميلة 😍😍

  2. بثينة الدسوقي

    رائعة القصة يا مريم، كعهدك مبدعة في أفكارك وصياغتك وسردك
    دام تألقك وإبداعك

  3. شكراً جزيلاً للنشر أستاذ رجب كل المحبة والتقدير

  4. تسلميلي حبيبتي سهام ، قصتك أيضاً رائعة والف مبروك الفوز سنلتقي قريباً بالمهرجان ان شاء الله

  5. رائعة عزيزتي، أعجبتني القصة كثيرا، مزيدا لك من الابداع والتألق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: