الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) الصديقتان (قصة)مي إبراهيم / العراق

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) الصديقتان (قصة)مي إبراهيم / العراق

مي إبراهيم /  العراق (السويد)  قصة

الصديقتان

أحب أن أكون غامضة فاعتقد الجميع بأني ماهرة وماكرة. لكني في الحقيقة كنت فقط خجولة جدا وصامتة ومراقِبة لما حولي. عكس صديقتي الدائمة التي كنت أعتبرها صديقتي المفضلة على الرغم أننا متناقضتان بأشياء كثيرة. كان اختلافنا أكبر رابط بيننا. فمثلا هي عكسي تهذي دوما وكأنها تتقيأ ما بداخلها من أخبار وأفكار صغيرة كانت أم كبيرة، جيدة أم رديئة، وكأنها الجريدة المحلية لضيعتنا.

وللتخلص من خجلي ولكسب جرأة أكبر بالحياة قررت التمثيل بمسرحية. فأبت هي كالعادة إلا أن تشاركني، فنجمها سيطغي بالتأكيد على نجمي كما قالت وهي تضحك ساخرة من طبيعتي الانطوائية.

جاء يوم العرض لمسرحيتنا في بهو المركز الثقافي وسط الضيعة. كنت قلقة ومتوترة بشدة بينما كانت هي متلهفة للعرض بجرأتها الفاضحة.

ارتفع الستار وتلقفتنا المصابيح الكاشفة. أحسست بالعري يدبُّ بروحي وتجمّدَت جُمل دوري المسرحي في فراغ فمي. حاولت اجترار الكلمات من جعبة ذاكرتي فلم أستطع أن ألوكها وبقيت تتحرك كدوامة تائهة برأسي.

نظرت صديقتي لي بعمق مستهزئة من فشلي ثم بدأت تلعب لعبة قراءة أفكاري كما تعودت أن تفعل دوما مذ كنا صغارا. تململ الجمهور الذي يحضر العرض بكل قيافته وأصابه يأس الانتظار وهو يترصدني. كانت أفكاري مشوشة وبدأت رويداً تتسرب مني كأنها كأس نبيذ انكسر وانسكب فتلقفَتها شفاهها.. لعقتها وابتلعتها حتى النشوة ونطقها فمها حتى بدأت تقمصها لتمثل دوري كاملا.

استدارت.. انتفضت.. صرخت.. شهقت.. ضحكت وبكت. كانت تدور حولي وتستنزف طاقتي بخباثة وتطن بلا رحمة قربي كبعوضة غرست بوقها بدماغي. امتصت الدَور وشفطته من رأسي كإسفنجة عطشى تغمّست في بحر ضعفي ثم تقيأته بزَهوٍ على خشبة المسرح. وأنا كنت ما أزال واقفة وجامدة كصخرة بائسة مغروسة عُنوة فوق الخشبة، تزكم أنفي عطور الجمهور الفرنسية المستنسخة وتفضحني بقعة الضوء.

تقبل الجمهور قيأها وهو يصفق ويردد بين الحين والآخر(آه) أو(الله).

انتهى دوري فتبخَرَت أفكاري. صمتت صديقتي وصمت معها الجمهور الذي كان ينتظر النهاية. فأنا وسط تخبطي نسيت كيف تكون النهاية فبقي مكانها باهتا في رأسي لذا لم تستطع هي ايصاله لهم.

رفعت رأسي المشوش ونظرت حولي. تهيأ لي بأن خشبة المسرح كانت غارقة وملوثة ببقع القيء الكاذب. لم احتمل رؤية الزيف هذا. كان عليّ التخلص منه. ذهبت خلف الستار وجلبت سطل ماء وقماشَ ممسحة. ووسط ترقب واندهاش الجمهور أثنيتُ ركبتَيَّ وانحنيت بهدوء وبدأت أنظّف ذلك القرف.

وبعد برهة من لحضات استغراب وصمت انفجر الجمهور مشدوها بتصفيق حاد وهو يرمي بباقات الورد نحوي ويصرخ بانبهار (برافو.. برافو).

في اليوم التالي صباحا جاءت صديقتي لشرب القهوة معي كعادتها. جلست وهي تهذي عن نشوتها ليلة الأمس ثم فتحت الجريدة المحلية التي اشترتها قبل لحظات وانصدمت عندما قرأت عناوين المقالات الثقافية التي تصفني بـ(ممثلة العصر الغامضة) و(ممثلة الضيعة العظيمة).. بينما ذُكر اسمها على هامش التنويه بالمشتركين بالعرض فقط.

ركضَت ساخطة وبيدها نسخة من الجريدة إلى حوض المغسلة وهي تصرخ وتشتم وتقيأت هناك ما بداخلها

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: