الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) سومبريرو (قصة)مهند مهدي عبدالله / العراق

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) سومبريرو (قصة)مهند مهدي عبدالله / العراق

مهند مهدي عبدالله  / العراق – قصة

سومبريرو

 

ليست هناك كبسة زر ليتغير كل شيء انها حياة بكاملها وتفاصيل غير معلنة ، كل شيء خلف هذا السور الازرق المبني من خوارزميات وارقام لا تنتهي على هيئة برنامج الكتروني!

كم هي ملعونة ذاكرة هذه الأشياء الصلبة والتي لا تحتوي على مشاعر ، ولو كان لها احساس لما اعادت نشر كل الماضي دفعة واحدة!

الماضي الذي لم يتنبأ قط بما نحن فيه الان ، المستقبل ، الانسان غير الانسان والمشاعر غير المشاعر كل شيء فيه اصبح الكترونيا و اليا ، تحركنا الازرار ، ازرار فقط منتشرة في كل مكان في رؤوسنا ، اصابعنا وحتى وجوهنا واصبحت هالة من المنشورات والذكريات تحيط بنا على شكل قبة ، لا افكار في هذه الهالة فراغ فقط مع ارقام تجتمع لتكون برنامجا ما ، اذا اردت ان تتذكر حبيبتك كل ما عليك فعله ان تكبس زرا كتب عليه ذكرياتك وستظهر المعلومات عنها على شاشة العرض ، شاشة تصغر وتكبر حسب استيعابك لما يدور حولك ، واذا كنت فاشلا في الرياضيات الكمية ستظهر لك الكلمات خضراء على شاشة سوداء.

هذا ما حاولت كتابته في افتتاحية عمودي الاسبوعي والذي تعودت ان انشره في الصحيفة الرسمية الوحيدة في المدينة ، الصحيفة التي تنازع من اجل بقائها في هذا الصراع المرير مع التكنلوجيا.

كنت محررا بارعا في يوما ما كنت اعمل في اهم الصحف آنذاك والان ابحث على شاشة هذا الصندوق لعين عن صحيفة الكترونية توفر لي عملا بائسا اخر من تلك التي تُنشر كفرص لا فرص فيها.

يبدو اني صرت من الماضي ، الماضي الذي يذكرني بكل الاشياء الجميلة ، الورق والاقلام التي كنا نكتب فيها كل الملاحظات التي تومض في رؤوسنا في لحظات ، اما الان فاني ارى الناس وقد استحوذت عليهم الشاشات المضيئة في وجوههم حتى اصبح احدهم لا يستطيع ان ينظر امامه او يعرف ما يقع في طريقه حتى ، اخاف كثيرا ان يكون الجيل القادم كلهم من العميان!!

لا يسعني سوى ان احاول بصعوبة ان اتعلم شيئا جديدا ، دماغي الذي تحجر في مكان ما بين الاعوام الثلاثين الماضية ، أنوي ان أعيد التاريخ في هاتفي إلى الخلف ، أن أختار تاريخاً يليق بي ، وأبدأ من يوم لم تكن فيها الأشياء بهذا التعقيد ، مثلاً عندما كنت أشاهد الجزيرة الرياضة بلا تشفير ، وأتصل بالأخرين من هاتفٍ ارضي!!

اخبرهم بأن المباراة بدأت، وتنقطع الكهرباء مع صافرة البداية!!

أشاهد المفاجأة على وجه اصدقائي حين أريهم أول هاتف نقال اشتريته ، كان قاسياً جداً لدرجة انه كان يمكن ان يقتل أحدهم لو رميته عله من مكان عالي!

البارحة كنت أجلس في المقهى وأحمل بيدي مجلتي المفضلة كنت اقلب صفاحتها التي نحفت وترشقت هي الاخرى بسبب الايام والانترنيت حتى كادت تختفي ، تبقت بين اصابعي دفتي المجلة فقط كغلافين باهتين ، لاحظت ان الجميع منصرف بطريقة مدهشة الى هواتفهم ، الصمت صمت مقبرة والمكان مقهى والرواد اموات احياء ، حتى ان صاحب المقهى استغرق في هاتفه مستندا الى حائط املس كرأسه الاقرع ونسي طلبي ، الصمت كان عجيبا جدا حين توقف التلفاز عن اصدار صوت الاغاني المزعجة المنتشرة على قنواته الفارغة من المحتوى!

صادفت عددا من الاصدقاء واعينهم متحجرة على الشاشات المضيئة ولم يلاحظوا وجودي او مروري او حتى القائي التحية عليهم ، اعرف ان احدهم رفع اصبعا من شاشة الهاتف كطريقة جديدة للرد على السلام ربما هي طريقة عصرية حالها حال كل شيء اخر معهم ، اتذكر اني رأيت كل شيء فيهم وكأنهم عرايا ، رأيت ذكرياتهم وتحركاتهم وحتى صورهم وكأني اعيش معهم في نفس المكان ، جلسنا فوجدت فوق رأس كل واحد منهم قبة كبيرة من الازرار تشبه قبعة مكسيكية عالية ، كانت تؤدي الى صفحات ومجموعات مختلفة ، وكأن هناك شاشة محدبة هيلوغرامية فوق رؤوسهم.

اقتربت من احدهم ومررت يدي في الهالة لأكبس زرا ، وبعد عدة محاولات انتبه الصديق اخيرا  مستغربا مما افعله ولم الوح بيدي فوق رأسه وتسائل : “ما الذي تفعله يا رجل؟”

اجبته : ” ابحث عن زر غرفة المحادثة في رأسك لعلك تلتفت اليّ لنتحدث!!”

تعليق واحد

  1. بالتوفيق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: