الرئيسية / اقتصاد وبنوك / السياسات الاقتصادية المحلية ودورها في اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء مدخلا لاعتناق الفكر المتطرف
دكتور / عادل عامر

السياسات الاقتصادية المحلية ودورها في اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء مدخلا لاعتناق الفكر المتطرف

السياسات الاقتصادية المحلية ودورها في اتساع الفجوة

بين الفقراء والاغنياء مدخلا لاعتناق الفكر المتطرف
تحقيق يكتبة/د. عادل عامر


…………………………………………………………………………….

أن نمط الاستقطاب هذا آخذ في التكون والتبلور في ظل تفاعلات وتداعيات مشروع يرمى إلى زيادة ضمان هيمنة الولايات المتحدة حتى على مشاركيها في “الثالوث المركزي”، أي فرض عولمة ليبرالية تحت قيادتها ليصبح القرن الحادي والعشرون هو “القرن الأمريكي” بحق. بيد أن البحث المدقق والمتعمق في صميم هيكل المجتمع الأمريكي وعلاقاته بالمنظومة العالمية يوضح أن طاقاته أقل من طموحاته.

فالولايات المتحدة تعانى من عجز مزمن في ميزانها التجاري، أي أنها لا توفر لباقي العالم الأموال اللازمة لدفع التوسع الرأسمالي قدماً وبما يضمن شروط إعادة إنتاج هيمنتها. وهو وضع يختلف عن وضع بريطانيا في القرن التاسع عشر حيث كانت الأخيرة تصدر أموالاً للعالم كله في ظل وجود فائض هيكلي للميزان التجاري البريطاني، ومن ثم توفرت لها الشروط الملائمة لإعادة إنتاج موقعها المهمين.

أما الولايات المتحدة فهي أكبر مستورد للأموال، ومن ثم أصبحت مجتمعاً طفيلياً يمتص النصيب الأعظم من الفائض المنتج خارجه. ولا شك أن استمرار هذا الوضع الهش رهين برضوخ بقية بلدان العالم لتفاقم إفقارهم بلا نهاية. ونظراً لإدراك الولايات المتحدة التام لذلك فإنها تسعى بدأب إلى تعويض ضعفها الاقتصادي باستغلال تفوقها العسكري والنووي، وذلك من خلال إقناع شركائها في “الثالوث المركزي”

 بضرورة تسليم زمام إدارة العالم لحلف شمال الأطلنطي، حتى تتحقق عبارة كيسنجر الذائعة: “العولمة ليست إلا مرادفاً للهيمنة الأمريكية”. من كل ما سبق تتجلى أمامنا حقيقة ساطعة لا ضير من تكرارها، ألا وهى أن ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء -عالمياً وقطرياً- يتطلب عملية تحرر مزدوج من العولمة الليبرالية ومن الهيمنة الأمريكية، فهما وجهان لعملة واحدة يستحيل الفصل بينهما.

وتتجلى في المرحلة الراهنة (مرحلة أزمة التراكم) ظواهر متجددة من التفاوت الاجتماعي والفقر يمكن أن نسميها أشكالاً من “تحديث الفقر”. فلا تزال مجتمعات الأطراف تعانى من حجم كبير “لجيش احتياطي” من قوى العمل يستحيل امتصاصها في إطار سيادة منطق التراكم الرأسمالي، وخاصة في إطار انفتاح التراكم المحلى على العولمة الليبرالية وإطلاق حرية الأسواق دون تقنين يذكر.

فالمنافسة في هذه الأسواق المفتوحة تفترض تركيز الاستثمارات في مشروعات تمتص أموالاً هائلة نظراً لاحتياجات التكنولوجيات الحديثة، وبالتالي يتقلص الاهتمام برفع مستويات الإنتاجية في القطاعات التي تعمل فيها أغلبية قوى العمل. وإذا كانت ظواهر “تحديث الفقر” قد أخذت في البروز خلال المرحلة الأخيرة للنظم الاشتراكية والنظم الوطنية الشعبوية (أي مرحلة التآكل والتفكك)، إلا أنها قد تفاقمت بحدة خلال العقدين الأخيرين مع دخول آليات التراكم أزمتها الراهنة. تغيب المعايير في قياس انعدام المساواة هذا، لكن غالبية المؤشرات توضح أن التفاوت تباطأ أو تراجع خلال الأزمة المالية، ويعاود الارتفاع الآن مرة أخرى. أننا يجب أن نتفق على تعريف موحد لمصطلح “عدم المساواة”، أو ما يسمى بـ “التفاوت الاجتماعي”.

وإذا كنا نحاول التوصل إلى طرق للتصدي لعدم المساواة، لا يفوتنا أن نذكر أن هناك ثلاث أفكار مستقلة، ولكنها مترابطة، تندرج ضمن عدم المساواة.

 أولا، فكرة حق الناس في الحصول على فرص متكافئة في المجتمع، دونما تمييز على أساس الخلفية الثقافية أو الاجتماعية، أو العرق، أو الميول الجنسية، أو النوع الاجتماعي، وما إلى ذلك.

والفكرة الثانية هي التوزيع العادل، والذي يستوجب توزيع المزايا والمكافآت بإنصاف بناء على مبدأ الاستحقاق.

والفكرة الأخيرة هي مفهوم المساواة في النتائج، والذي ينص على أن الناس يجب أن يحصلوا على عوائد مالية متساوية مهما اختلفت ظروف العمل.

 إننا من الأفضل أن نركز على مساعدة الفئات الأقل حظا، الذين لم يستطيعوا أن يحسنوا أوضاعهم بسبب غياب العدالة. أن الالتزام الأخلاقي ينبغي أن يتمثل في القضاء على الفقر، وليس تحقيق المساواة، والسعي الجاد من أجل توفير السبل التي تكفل الحياة الكريمة للجميع. لقد أصبح التفاوت الاقتصادي من المشكلات المستفحلة التي طالت مختلف المجالات، ورغم ذلك لا يزال يكتنفها اللبس، بسبب دقة الفروق بينها وبين غيرها من المشكلات. ويعد هذا التفاوت محصلة لعوامل ثقافية وسياسية متداخلة حول العالم على مرّ الأزمان.

وسيسهم فهم تعريفات عدم المساواة المختلفة، والتي من بينها عدم تكافؤ الفرص، في تسليط الضوء على وجود تفاوت في الفرص المتاحة للأفراد لتحقيق النجاح، وانعدام الفرص أمام البعض حتى لو بذلوا مجهودا شاقا لتحقيق النجاح.

وستختلف الحلول التي ستطرحها لحل مشكلة عدم المساواة باختلاف الرؤى والاتجاهات السياسية التي تتبناها. فلو كنت يساريا، قد تؤيد إتاحة نظام التأمين الصحي الشامل لجميع المواطنين، أما إن كنت يمينيا فقد تؤيد خلق فرص عمل لذوي الأجور المنخفضة.

ومهما اختلف النهج السياسي للتصدي لعدم المساواة، يقول الخبراء إن الحل يكمن في التركيز على قضيتي الفقر وغياب العدالة. وهذا هو الالتزام الأخلاقي الحقيقي الذي يصفه الباحثون بأنه التعاطف مع الفئات التي تئن تحت وطأة الفقر والظلم.

 “يجدر بنا أن نحول الأنظار عن قضية عدم المساواة، وأن تتصدر قضايا أخرى في المقابل أحاديثنا وأبحاثنا، مثل غياب العدالة، والفقر، وهما سببان رئيسيان للمشكلات التي تشغل اهتمامنا”. الفقر والجهل والمرض أسباب رئيسة في خلق وتكوين شخصية هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية، وإن معظم الجماعات الإرهابية تخرج من أسر أمية فقيرة، ومنهم أطفال الشوارع، وهم غير متعلمين يتم تدريبهم من الصغر على الإجرام والعمليات الإرهابية، فأطفال الشوارع قنبلة موقوتة ممكن أن تنفجر في المجتمع العربي والمجتمعات الأخرى، لأنهم بلا مأوى، وليس لهم من يرعاهم في المجتمع، ويتم تمويلهم بالأموال وتدريبهم وتنشئتهم على معتقدات وقيم منحرفة ومتطرفة، وتبث في عقولهم أفكار شاذة بأن هذا العالم كافر ويتحتم «الجهاد» والقتال في سبيل الله لدخول الجنة..

هذا هو فكر الجماعات التي تعتنق الفكر السياسي المتطرف، والتي تحاول جذب الفئات الفقيرة والمحرومة والجاهلة التي تعيش تحت حد الفقر والمرض، فلا يخرج الإرهاب من الأسر العريقة، وهذا يؤكد أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل فكر أفراد تلك الجماعات المتطرفة».

أن هناك أسباباً كثيرة تؤدي إلى تنامي الفكر الإرهابي مثل البطالة، وهي مشكلة كبيرة جداً، فالشاب عندما لا يجد عملاً أو مأوى أو مصدر رزق يكون من السهل استقطابه وضمه للجماعات الإرهابية، ومعظم المنضمين للجماعات الإرهابية من الشباب والشابات، لعدم وجود فكر صحيح يحركهم، ونحن أمة اقرأ لا تقرأ، وأبناؤنا لا يقرأون، وبالتالي فالشباب الذين من دون معرفة من السهل جداً استقطابهم، والجاهل أيضاً من السهل استقطابه،

 ونحن الآن بحاجة إلى العلماء من أصحاب الفكر المستنير، الذين يقدرون على مساعدة شبابنا على التفكير السليم، ووضعهم على الطريق الصحيح، وفي الوقت نفسه نحاول حل مشكلاتهم التي تدفعهم للجوء إلى تلك المنظمات الإرهابية، مثل عدم توافر الوظائف، ومشكلات اجتماعية كثيرة كالزواج، والتأكيد على مشاركة الشباب في حل مشكلاته.

بذلك تعتبر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة: فالفقر والبطالة والتهميش والظلم الاجتماعي هي أسباب لتهيئة البيئة أمام التطرف الديني وإنتاج الإرهابيين. فمن يعانون من هذا الوضع الصعب هم صيد سهل للإرهابيين،

 كما أن التنظيمات الدينية المتطرفة، أو حتى من لها مشروع سياسي يوظف الدين كأيديولوجيا، استغلت انسحاب الدول من تقديم الخدمات الاجتماعية لكثير من الشرائح والطبقات الاجتماعية واستغلت التمييز الاقتصادي والاجتماعي، لبناء شبكة من المنتفعين التي شكل جانب منها فيما بعد بيئة منتجة للتطرف وحاضنة للإرهاب. كما تستغل التنظيمات الإرهابية الظروف الحياتية الصعبة لبعض الشباب وتعرض عليهم نقودا مقابل الانضمام إليها أو القيام بعمليات إرهابية لصالحها

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: