نجاة وكامل الشناوى

قصة حُب (نجاة) و ( كامل الشناوي) رغم الخيانة (حُب حتى الموت)

رغم خيانتها . لم يقُل عليها خائنة  ، لم ينتقم منها ، لم يُعاقبها ، لم يتطفل عليها ، لم يُجبرها تحبه بالعافية ، وعندما رفضته لم يقل عنها أنانية ، أو أتجوز أي جوازه  من اجل أن يغيظها .
أو ينساها بغيرها ويصبح رمرام ، لم يفعل أي شيء سوى انه ظل يحبها رغم تلاعُبها به وخيانتها .. كانت هي لا تريد رجل واحد  . كانت تريد الكل عشاقا لها ..  لكن هو . ظل على قانون الحب . أحبها  وظل يحبها لدرجة العشق ..  فهذا هو الحب . هذا هو العشق وأسمى درجات العشق إنك تعشق بدون أمل .هكذا كان كاتبنا وشاعرنا الكبير الموهوب  (كامل الشناوي)
وقصة حبة مع مطربتنا الرقيقة الحالمة(نجاة الصغيرة) ………………………..
كان يحبها حبا عظيما … وكان الصحفيون  والمقربون من الإثنين يعلمون أن هذا الحب من طرف واحد فقط ولكنه كان يخلق لنفسه عالما من الوهم والخيال، وكان يحب الكثيرات … كان يحب نادية لطفي وسعاد حسني وثلاث مذيعات جميلات في التليفزيون . ولكن حبه الكبير … حبه الذي استغرق منه ديوانا من الشعر … حبه الذي صوره في تجربته العاطفية الشهيرة باسم
«لا تكذبي» هو حبه لنجاة !
في مرحلة الكهولة لم تتوقف نيران حبه للدرجة التي خجل فيها من قلبه وخاطبه قائلا «احتشم يا قلبي. فالحب طيش وشباب وأنت طيش فقط».
وكانت قصته الأشهر مع نجاة هي الأكثر خلودا، فلقد أحبها بجنون ولم تبادله وفاءه، وكان يعلم ذلك لكنه لا يستطيع أن يتوقف عن حبها، بل كان عذابه يستوحش أثناء الخصام فلا يتحمل بُعدها «افهميني على حقيقتي.. إنني لا أجري وراءك بل أجري وراء دموعي»… هكذا كتب اليها ذات مرة في إحدى نوبات عشقه.
ولقد تعرض الشناوي لكثير من الصدمات أثناء حبه لنجاة الصغيرة، كان أبرزها عام 1962 في عيد ميلادها عندما اشترى هدايا الحفل، وحضر برفقة أصدقائه في شقتها بالزمالك، وعند إطفاء الشموع اختارت يوسف إدريس ليقطع التورتة معها ممسكا بيدها، فانسحب الشناوي حزينا باكيا، ثم تضاعفت أحزانه حين رآهما يخونانه، وكانت وقتها نجاه مع يوسف ادريس . تتشابك يداهم وشفتاهم . واراد القدر ان يرى (كامل)هذا المشهد .. فكتب كلماته التي تقطر أسى..
كتب قصيدة لا تكذبي . وكانت ولا تزال من اجمل  الكلمات والتى قال فيها …

لا تكذبي
إني رأيتكما معاً

ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا

ما أهون الدمع الجسور إذا جرى

من عين كاذبة

فأنكر وادَّعى

إني رأيتكما

إني سمعتكما

عيناك في عينيهِ

في شفتيهِ

في كفيهِ

في قدميهِ

ويداكِ ضارعتان

ترتعشان من لهفٍ عليهِ

تتحديان الشوقَ بالقبلاتِ

تلذعني بسوطٍ من لهيبِ

بالهمسِ , بالآهاتِ , بالنظراتِ

باللفتاتِ , بالصمتِ الرهيبِ

ويشبُ في قلبي حريقْ

ويضيعُ من قدمي الطريقْ

وتطلُ من رأسي الظنونُ تلومني

وتشدُ أذني

فلطالما باركت كذبك كله

ولعنتُ ظني

ماذا أقول لأدمعٍ سفحتها أشواقي إليكِ ؟

ماذا أقول لأضلعٍ مزقتها خوفاً عليكِ ؟

أأقول هانتْ ؟

أأقول خانتْ ؟

أأقولها ؟

لو قلتها أشفي غليلي

يا ويلتي

لا ، لن أقولَ أنا ، فقولي
!
لا تخجلي

لا تفزعي مني

فلستُ بثائرِ

أنقذتني

من زيفِ أحلامي

وغدرِ مشاعري

فرأيت أنكِ كنتِ لي قيداً حرصتُ العمرَ ألا أكسره

فكسرتهِ
!
ورأيتُ أنكِ كنتِ لي ذنباً سألتُ اللهَ ألا يغفره

فغفرتهِ
!
كوني كما تبغينَ

لكن لن تكوني

فأنا صنعتك من هوايَ

ومن جنوني

ولقد برئتُ من الهوى

ومن الجنونِ

وبعد كتابة القصيدة  كان يجلس  مع استاذنا ومعلمنا الكاتب الكبير(مصطفى أمين) واتصل بنجاة  في حضور مصطفى امين  وألقى عليها (لا تكذبى) في الهاتف بصوت منتحب، وبعد انتهائه فوجئ برد بارد  من (نجاة)  فقالت له «الله حلوة قوى القصيدة وتنفع أغنية وسأغنيها .  وكأنها لا تدري أنها كتبت فيها.
وقد عبر الشناوي بقوله «إنها تحتل قلبي.. تتصرف فيه كما لو كان بيتها تكنسه وتمسحه وتعيد ترتيب الأثاث وتقابل فيه كل الناس.. شخص واحد تتهرب منه. صاحب البيت».
ثم عبر عن خيانتها له بقوله «هل ألعنها أم ألعن الزمن.. كانت تتخاطفها الأعين فصارت تتخاطفها الأيدي». ثم كانت قصيدتة التى قالها لـ يوسف ادريس . . فقال  له . حبيبها لست وحدك ..
انها قصيدته الرائعة التي غناها عبد الحليم حافظ:
«حبيبها لست وحدك
حبيبها أنا قبلك
وربما جئت بعدك
وربما كنت مثلك»..
وفي إحدى المرات شاهد أحد محبيها يتودد إليها، فكتب ساخرا: «إنها كالدنيا.. لا تبقى ولا تتجدد إلا إذا خرج من حياتها أناس.. ما أكثر الذين شاهدتهم وهم يغادرونها وما أكثر المواليد الذين رأيتهم على بابها».إحساس مرهف
ورغم أنه تربى تربية دينية، إذ كان والده يعمل قاضيا شرعيا لمحكمة مركز أجا بمحافظة الدقهلية، كما أنه درس في الأزهر، إلا أن الشاعر المصري الراحل كامل الشناوي كان رومانسيا وعاطفيا وصاحب إحساس مرهف، وهو ما انعكس واضحا على أشعاره الرقيقة.
الشناوي الذي وُلد في 7 ديسمبر 1908 كان شغوفا بالعلم، محبا للآداب، عمل على الاقتران بمجتمع المثقفين، وعمل بالصحافة مع الأديب الراحل طه حسين، ودرس الآداب العربية والأجنبية في عصورها المختلفة.
الشاعر الذي تغنى بقصائده أكبر نجوم زمن الفن الجميل أمثال؛ عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، أم كلثوم، نجاة الصغيرة، وغيرهم، عاش قصة حب شهيرة، وظل مخلصا لبطلتها حتى وفاته رغم عدم مبادلتها له نفس الشعور.
بطلة قصة حبه هي المطربة المصرية «نجاة الصغيرة»، التي ساهم بشكل كبير في تلميعها، وقدم لها أجمل القصائد التي أظهرت جمال ونعومة صوتها هو وشقيقه مأمون الشناوي، ولكنها فضلت عليه الأديب المصري الراحل يوسف إدريس، وهي قصة الحب التي نفتها الصغيرة أكثر من مرة. وعن قصة حب الشناوي الأليمة قال صديقه  المقرب (الكاتب الكبيرا الراحل مصطفى أمين) في كتابه الشهير «شخصيات لا تنسى»: «عشت مع كامل الشناوي حبه الكبير، وهو الحب الذي أبكاه وأضناه..وحطمه وقتله في آخر الأمر، أعطى كامل لهذه المرأة كل شيء المجد والشهرة والشعر ولم تعطه شيئا أحبها فخدعته..أخلص لها فخانته..جعلها ملكه فجعلته أضحوكة». مصطفى أمين كشف في كتابه أيضا عن أن القصيدة الشهيرة «لا تكذبي» التي غناها كلا من موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ونجحت نجاحا كبيرا بصوت نجاة الصغيرة، كتبها الشاعر الراحل من واقع قصة حبه، وكان يحدث فيها حبيبته.
الصديق المقرب من الشناوي وصف مشاعره أثناء كتابة هذه القصيدة قائلا:«كتب قصيدة «لا تكذبي» في غرفة مكتبي بشقتي في الزمالك..وهى قصيدة ليس فيها مبالغه أو خيال..وكان كامل ينظمها وهو يبكي..كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها..وكان يتأوه كرجل ينزف منه الروم العزيز وهو ينظم..وبعد أن انتهى من نظمها قال: إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتليفون». كامل بالفعل اتصل بالمطربة التي عشقها، ووصف مصطفى هذه المكالمة قائلا: «بدأ كامل يلقي القصيدة بصوت منتحب خافت..تتخلله الزفرات والعبرات والتنهدات والآهات..مما كان يقطع القلوب..وكانت المطربة صامته لا تقول شيئا، ولا تعلق..ولا تقاطع..ولا تعترض.. وبعد أن انتهى كامل من إلقاء القصيدة قالت المطربة: كويسه قوى..تنفع أغنيه..لازم أغنيها».
الشاعر الرقيق ذو الجسم الضخم لم ييأس من حبه، بل إنه ظل يحاول التقرب منها، وهذا ما أوضحه مصطفى بقوله: «كان كامل يحاول بأي طريقه أن يعود إليها..يمدحها ويشتمها.. يركع أمامها ويدوسها بقدميه.. يعبدها ويلعنها..وكانت تجد متعه أن تعبث به، يوما تبتسم ويوما تعبس، ساعة تقبل عليه وساعة تهرب منه..تطلبه في التليفون في الصباح، ثم تنكر نفسها منه في المساء»… صد المطربة لحب الشناوي كان يمثل أمرا صعبا عليه، ولم يرغب في تصديقه، حتى أن مصطفى أمين كتب أن كامل كان يقول: «لا أفهمها، فهي امرأة غامضة لا أعرف هل هي تحبني أم تكرهني..؟، هل تريد أن تحييني أم تقتلني..؟».
لعنة الحب الفاشل أصابت الشاعر، حتى أنه كان يشعر أن هجرة محبوبته قتلته، ولم يبق سوى موعد تشييع الجنازة، وكان يجلس يوميا يكتب عن عذابه، وأصبح يتردد على المقابر، وحينما سأله مصطفى أمين عن ذلك، أجابه بابتسامه حزينة وقال: «أريد أن أتعود على الجو الذي سأبقى فيه إلى الأبد». .. جراح الحب الأليم ظلت تنزف في قلب كامل الشناوي الذي ظل مخلصا لجرحه رغم العذاب الذي كان يشعر به، حتى قيل إنه مات مكتئبا، وذلك في 30 نوفمبر 1965.
من أبرز قصائد شهيد الحب الذي كان يرى أن الحياة بلا حب نعيم لا يطاق؛ «حبيبها» ، «لست قلبي»، «يوم بلا غد»، «حياتي عذاب»، «الليل والحب والموت»، وكان آخر أعماله الفنية أوبريت «أبو نواس». … وكانت آخر كلماته قبل أن يعانقه الموت يصف من خلالها حياته … التي لم يعد فيها ما يستحق الاهتمام بعد حب نجاة سوى الموت …قال فيها الشاعر الكبير: «ولكن أيامي اليوم قليلة … وانتزاع عام منها يشعرني بالفقر والفراغ والعدم فمنذ تجاوزت الأربعين وحدي … كما تجاوزت ما قبلها … لا صحة ولا مال ولا زوجة ولا ولد ولا صديق … ولكن علام نبكي الحياة … وماذا لو رحلت عنا أو رحلنا عنها … ما دام الرحيل هو الغاية والهدف»……………………………………
وبعد وفاة(كامل الشناوي) الحبيب . فهل ندمت(نجاة) الحبيبة .
على فقدان الحب والحبيب ..؟ وحزنت على رحيله ..
  في الحلقة القادمة سُنفجر المفاجأة ..
عرض وتقديم / رجب عــبــد الــعــزيــز

رجــب عــبـد الـعـزيـز
رجــب عــبـد الـعـزيـز

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: