الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) كوكو…لآ (قصة) لـ مهدية أماني / المغرب
مهدية أماني / المغرب

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) كوكو…لآ (قصة) لـ مهدية أماني / المغرب

كوكو…لآ !

.

– إن سمعتُ لك صوتا ، أو حتى نحنحة ، سأخنقك بيديّ هاتين ..أفهمت؟

هز الديك الأبيض “المُتنقّـــط” عرفه الأحمر ورجله السوداء ، أن نعم ..تركته وانصرفت، الْتفتت وقامت بحركة الخنق، وأخرى لم يفهمها ، تضمّ الخنصر والبنصر بالإبهام، تحرر الوسطى والسبابة وتوجههما نحوه..أحس بنفسه ينقطع واعتراه خوف شديد، انكمش على نفسه، طوى رأسه تحت جناحه وبقي يرمق بعين واحدة الشمس وهي تصطبغ بحمرة الخجل، تودع صفيّها النهار وفي قلبها حرقة ولَوعة، تنعكس خطوط الشفق على ريشه فيتزين سحرا وجمالا يكتسي..يعشق لحظة الوقوب الأمَدية

التجدد هاته، الوداع قسري، ولا قوة توقفه، والرحيل حتمي، وما منه مناص، لكن كليهما يمتلكان من الوفاء ،ما يجعل القرص المتوهج الشعاع يعود، ليجده منتظرا على أعلى مكان من هذا القصر البارد، مهلّلا مستبشرا بأولى شقْشقات الفجر المنبئ بمقدمه.

الآن، السماء تستعد لاستقبال الليل وهو ليس هناك لتوديعها، أتُراها أحست بغيابه؟ ربما ! انتابه حزن أليم، فليلُه بدأ مبكرا، وحُرم متعةَ هُنيهة تذكي في كيانه رومانسية حيال الخليلات وحماسة الحب للحياة، يشعر أنه نصف ميت ..نصف مخنوق..سكونُه لم يثر أدنى نقنقة من أيتهنّ تواسيه في ملمّته، اختفين كلهن، مَن حاضنة لبيض أو رابضة على صيصان.. سرت برودة في أوصاله فلا ريش ناعم وطراوة عجيزة أو سمنة فخذ يدفئونه، حنق على شهرزاد، ودّ لو يفقأ لها عينا كي تعرف كم الرؤية بعين واحدة مؤلمة، ناقصة أبعاد ومجحفة في حق غروب بهذه الروعة والجمال..وكم الوحدة بغيضة كالفقر، قاتلة كالجوع وفظيعة على “مَرديك” وهو بين أهله ورهطه.. ثم تساءل :

– ما الداعي لهذا التهديد والوعيد ؟ فمنذ ألف ليلة وهو يصيح حسب طلبها في أي فترة من الليل، حين تكل ّ من القص فينهي معاناتها مع ذاك الرجل، وأحايين عديدة لما يجف معينها ولا تجد شيئا طويلا تحكيه..والشمس عليه تُصبح غاضبة، تطلع من خدرها متخفية بالغيوم، تعاضدها السماء، تُبرق، ترعد وتهطل مدرارا فيمر النهار في الخُمّ كئيبا مملا..

ارتاب من تصرّفها في هذه الليلة الأخيرة بعد الألف، أحسّ بفطرته أنها تحيك وتدبر شيئا ما،ولديها أطماع مضمرة، وعليه أن يتصرّف..لم يحبّ يوما بني البشر، تمجيد الذات دَيْدنهم والأثَرة من شيمهم والامتلاك من سماتهم..لقد استغلته طوال سنتين وسبعة أشهر بالتمام والكمال، جعلت منه دمية بزُنبُرُك واحتقرت دجاجيّته..قلبه يكاد يخترق أضلُعه من فورة الغضب، نكران الجميل والجحود أشدّ ما يؤلمه في دنيــاه هذه ،أسدى صنائع لا تحصى لهذه المرأة فلم تعترف بفضله عليها..سأنفضّ عنها وأُعرِض، همْهم بصوت لم يتعدّ حنجرته، نفض ريشه يزيح عنه ما طاله من حقارة وخسة، وتوجه في ثقة وخفة إلى جناح مسرور السّياف ..ويْ ؟..و..ما بال هؤلاء الخصيان لا ينامون في هذا الحَرملك اللعين، مهما أغرقوا غصة عاهتهم وفحولتهم المنتقصة في دنان الخمر؟ يخشى ما يخشى الصقالبة، يحبون لحم الديكة حبا جما، رآهم كيف ينقضّون على أي فرخ يقع بأيديهم و يترعونه توابل ..زعفرانا وفلفلا وقرنفلا وقرفة…تفوح الرائحة الطيبة حتى يشتهي هو الديك ، قضمة مما يطهون..ينتظر حتى ينهض أحدهم متمايلا في غُناج ودلال:

– سأذهب لمولاهم الأمير..إنه ينتظرني..قد يكون صرف زوجته الآن..

أتعرفن يا فتيات؟ هو لا يدري أنني أدس لها في شراب الورد حشيشة “البلاك كوهوش” فلا تحمل منه..سأقطع نسله كما قطع(…..) ولا أني “مُؤيدز”..فَداك حبيبتي شوشو، سلالتك ستبقى، دم روك هدسون ، يسري مني في عروق ابن ال….

فهم أخيرا أن المؤامرة متشعبة، والطابور خمسة انْدسّ في المكان،ولم يُسكت بنزْوة أنثى. يختبئ بين ثنايا قفطانه النسائي الفضفاض، يكاد يغصّ بعثانة كفْله المترجرج ويكح، يفتضح أمره وينتهي في قدر..صبرا، صبرا يا ديكوك…ها نحن ذا …ويقفز إلى.. حيث مسرورغير موجود!

أسقِط في مخلبه، صار يدور في الغرفة الفسيحة، غرفة فخمة متناسقة التفاصيل، يتوسطها سرير ماركة “إيكيـــا” مصنوع تحت الطلب من خشب الماهونجي الثمين ، كبير وعريض بغطاء موشى بنمنمات حرير صيني رفيع، بجانبيه خزانتان حفرتا في حائط من مرمر البوتشينو الوردي المُعرّق بالأبيض، الأرضية مغطاة بسجادة أصفهانية رائعة الحرفة، يكتمل الرونق والبذاخة بستائر سيــــدار فخمة بديعة الصنع تغطى معظم حائط الغرفة..ينط على السرير، يرتفع إلى أعلى، تستهويه اللعبة، يسقط على شيء صغير بحجم اليد، يُسمع حفيفٌ و”زنزنة” وتفتح الستائر من تلقاء نفسها..ينعكس منقاره في البلور، يجفل، يحملق في بقعة مضيئة بحجم الجوزة تحيط بها ثُقب صغيرة تكاد لا ترى، يلصق عينه فيطل عليه فضاء فريد من نوعه، به أشياء غريبة، لكنه تذكرعنها شيئا من إحدى قصص حكتها لرجلها حول كيمياء صنع الذهب..

-الأحمر والأبيض وهناك الأسود أيضا يا شهر.. الأسود؟..غِربيب كليْلِهم يا شهر..من.. هم ؟ نَــم..نَــم.. الديك صاح…ودعني أفكر ..

الأنابيق، والمخابير ، والسحاحات، و الماصات، والدّوارق مصفوفة على نضدٍ ناصع البياض،الغليان على أشده والأبخرة تتصاعد.. وعلى الأرفف، زجاجات وقنانِ من كل الأحجام والمقاسات، وسوائل ومحاليل بكل الألوان..وبالمكان شخصان بنظارات وكِمام واقية، ومعاطف مختبر وقفازات، عرفهما تحت نور نبطيات غريبة التوهج ، لا تشبه القناديل ولا الشموع لم ير مثلها في حياته ..ثم..يصله صوت المرأة:

– اِسمع يا مَسْرفوت..حكاية الزئبق والزرنيخ والنشادر تلك أصبحت متجاوزة، تكتشف بسرعة ويجدون لها ترياقا، وهذه الليلة ستطول، خدرت الرّيجل النكِد، ونبّهت الرّائش المنحوس ألا يفتح مِنسَاره..

– شوشانا ..شوشو…عزيزتي ، سيستيقظون ..وإن لم يُعنِدل ناقر الدود ذاك ..

لمع في عينيهما النجلاوان حقدٌ معتّقٌ أزرق، اصطكت ركبتاه وارتاع ، حين احْولّتـا وتلاقى سوادهما عند أنفها..جعْجعت كرحى تجْرش خواءَ:

– تبّا لك يا وجه النّطْع ..ماذا كنا نفعل منذ ألف عام يا ترى؟ أتظن الأمر حكيٌ فحسب ؟ كنا نعمل وننسق، نربط ونفكّ، ونخطّط ونحدّد..لينام شهرُ أيار.. فلا يحمل أحد منجلا ولا يغار، ولا ينبت للزّرع غمار،ولا يثمر توت ولا خيار، ويدخلون الجحور ولا أحد يجرؤ ويعتلي سطح الدار..ما خِلتك بهذا البَله يا مسرفوت..الرّوْي جال الأمصار، سُلبت الألباب وغُشيت الأبصار..ألا ترى أنهم كلهم نيام ؟ ألا تسمع شخيرهم يا حمار؟ ركّز معي ..حين بَزَرني أبي “رفعج” بينهم كان يعي ويدرك هذا، بيّت الخيانة وأوعز بقطع الرؤوس، كفى ثرثرة كفى، لن تفهم، تشبهُهم..أين جرادل اللحوم الفاسدة التي جُلبت من أقطارهم؟ لقد اختمرت وحان القطاف، سأريك كيف يصنع سم البوتولاينُم الزعاف من جثث قُروم أهلهم وسلسفيل جدودهم..

يقيء الديك على الفرش الفاخر المزخرف،الثقُب الصغيرة تلك، سرّبت مع الصوت نتانة اللحم النّتِش، يهوي مخدرا على ظهره وساقاه إلى السماء ، اصفرت شوشته وانقلبت عيناه، ولم يعد يعي ما يدور حوله.

أوْن استفاقته كان الأمر قد قُضي، عُصر اللحم المتعفن، صُفّي ونُكّـهَ وعُبئ في قنانِ ذات بخّاخ ، جميلة ومثيرة وشهية..للإناث، بُهرجت بصور باربي وساندريلا وسنووايت ومانرو..وللذكــــــور، زُينت بصور ميسي..ورونالدو..وشْوارزي ..وتورتلز نينجا..والمتحولون…

والتي لا ملصق عليها..آخرها، ما زالت في يد مسرفوت والقطارة في اليــــد الأخرى..

تصرخ فيه :

– أعدْ ضبط العدّ ، قلت ..ستة ضرب ستة وزد مِلّلي واحد فقط.. يا غبي، الرقم ستة يهُمنا، القوارير تلك لكل ستين مليونا .

استدع المجندين طويلي الأيدي ومقطوعي الألسن ،العارفين بمصب أنهارهم..وسوبرماركاتهم ومهراجانتهم ومحافلهم ..و..و

قهقهت وهأهأت بخَبل ..ولا علاج ..لا علااااج.. بعد ظهور الأعراض أجسامهم نخرها “الماك دو” لامناعة.. لا منااااعاااه..”الدّودّو”.. لن يفيقــــــــوا منه.

 

نسيَ الديك كيف يقول كوكو من الهول والفزع والهلع، وحين زَعَق…وكْ وكْ.. ويْكِ ..وَيْكَأَنّ !

كانـــــت أولـــــــى الجرعـــــــات مـــــــن نصيبـــــــــــــــه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: