الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) الناجية نور (قصة) لـ سمية احمد خليل / العراق
سمية احمد خليل / العراق

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) الناجية نور (قصة) لـ سمية احمد خليل / العراق

الناجية نور ”

*********

البيت المجاور لبيتي؛ تتفتح فيه أزهار الطفولة والبراءة مبكرا . نور أحداهن …

ما أن أكمل فطوري وارتداء هندامي استعدادا ليوم مدرسي متعب في مدرسة بعيدة ؛ أتلبّثُ في باحة الدار، أفتح صنبور الماء على حديقتي التي ملأتها الورود والأزهار وزينتها العصافير . الزهرة الوحيدة التي تكمل اعتدال نهاري وأنسه. كانت -نور – ببراءتها وشدّوِها ونظراتها التي تروي لي كل عمق منسي . يتغلغلُ صوتُها ليمحو ما يُساء تفسيره وما يتعذر تقبله . محظوظة حقا تلك الطفلة المحببة الى نفسي والى عائلتي .لقد حصلت على بطاقة الحظ وهي بعمر السنة تقريبا في أتون قصة مأساوية مرت بها في حادثة طريق مروعة ومفجعة انتهت بوفاة الجد والجدة والعم وفي ظل ارتباك أباها الذي افقده السيطرة تماما على حركة أطرافه السفلى مما حدى به وبسرعة فائقة أن يلقي بالطفلة الماكثة بالقرب منه من نافذة السيارة إلى أرض عشبية قريبة قبل أن تكمل السيارة انقلاباتها الأخيرة الدامية .

حكاية الحظ السعيد التي روتها لي والدتها وهي تشهد اندهاشي وترقبي وأشهد بذات الوقت احتضانها لإبنتها بخوف وامتنان والتي بنفس الوقت استدعت انهمار دموعي وهي تؤكد لي وبحمد كثير لله نجاة الأب من الموت ليمكث عدة شهور تحت علاج طويل الأمد وبوجود فاقه وعوز خلفتها أوضاع البلد السيئة التي طالت حتى أكثر العوائل ترفاً .

نفس الأيادي التي أبعدتني وشتتني أبعدت الطيبين حولي عن بيوتهم وأحباءهم .

يااالشقائي ….

لا شمعة توقد لميلاد نور هذه السنة ولم توقد لسنين أخرى .

بعد سنتين وأكثر عانيت ما عانيت من تهجير ونزوح وتشظٍ روحي يرتكن الى الحسرة والحيرة الى حين عودتي واستقراري في مدينتي التي طالما حلمت بالرجوع إليها محملة بالحنين والذكرى وما أكثر حمدي لله على فرجه ودعائي أن يفرج عمن طالتهم يد القساة الجناة .

ما فتأتُ أسألُ عن مصير عائلة نور . والذي بلغني أنهم أُحتجزوا كما الكثيرين في مواقع سيطرت عليها جماعات من القتلة الذين يمارسون السلب والنهب والاغتصاب والجلد والقتل بدم بارد تحت رداء الدين واحقاق كلمة الله والعدل والجهاد في سبيله !

بعد أشهر وفي فضاء سكوني وعزلتي اخترقت سمعي نبرة صوت مألوفة أنعشت صدري وحملت معها  عبق ذكرى .

تخطيتُ باب غرفتي وسريعا لاقتني أُم نور بعينين باكيتين فرحا؛ يتبعنها ثلاث فتيات ينظرن إلي بتوجس وبعيون أرقها شبح الخوف والعوز والحرمان وغيّب وداعة نظراتهن ضياع فتات من أمان ..

تبادلنا القبلات والأحضان والدموع، تناوبنا على قص الذكريات وأحلناها لفيلم سينمائي كل بطريقته .

أوُّل ما قصته عليَّ أُم نور وهي تذرف دموع الفرح أنهم ..

اجتازوا طريق الدم ..

طريق الموت الحقيقي

طريق الجوع والعطش الكافر ..

ومطبات الضياع عندما ساروا ليلتين في طريق وعر وخطر تلاحقهم فلول الظلام فمن قُتلَ قُتل ومن نجا فاز بحياة لا يعلم كنهها في ظل أوضاع مأساوية بالكاد تغادرنا لتعود أكثر مأساوية وتنكيلاً بنا .

في ظل الأنين المكتوم وانعدام الرؤيا كان القنص يطال رؤوسهم المعفرة بالتراب والمسكونة باليأس والمذلة .

بهتان أن يرافقنا غير شبح موت مؤكد قالت لي وهي تتنهد وتعيد انتظام دقات قلبها الذي أضناه الشتات وألهبه العويل المكتوم …وتنهدت بحماس لتروي …

وبالرغم  من هذا رافقنا الأمل …

والد نور لا يستطيع السير في احواله العادية اكثر من ربع ساعة نظرا لأصابته القديمة ..

اندهشتُ أكثر وهي تروي لي أنه سار محتضنا نور وسط نزعاته للانتحار ..وسط الدمار الروحي والجسدي..

سار بطريق آخر …لم يكن سوى طريق الأمل والإيمان بقضاء الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: