الرئيسية / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) / مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) غيمة إلى كوكب الزّهرة (قصة) لـ سهام يحياوي / الجزائر
سهام يحياوي / الجزائر

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي (التاسعة) غيمة إلى كوكب الزّهرة (قصة) لـ سهام يحياوي / الجزائر

غيمة إلى كوكب الزّهرة

ظهور الغيمة
******

جلسنا نتسامر نحن جماعة الطّلاب الجامعية حوث بحثنا، فإذا بغيمةٍ كبيرةٍ أمامنا، زميلتنا الأكثر فضولية أرادتْ الاتّجاه إليها وأن تدخلها، كلّ واحد منّا أخذ هاتفه ويأخذ الصّور إّلا هي مواصلة سيرها نحوها، ترجّيناها بعدمِ الّدخولِ، فهي ليستْ بغيمةٍ عاديةٍ، هي غيمة مخيفة، لم نرى مثيلها، كأنها كرّة كبيرة بشكل غيمة، حتّى أنّنا لم نفهما بالضّبط، الغيمة تتبدّد ويتغيّر شكلها، لكن هذه الغيمة لا تتلاشى ولا تتغيّر، حتّى أنّها لا تغيّر مكانها، وكأنها مُثبّتة… فضول زميلتنا هناء أجبرها على الذّهاب لها، مدّت يدّها باتّجاهها ونحن ننظر متعجّبين منها ومن فضولها، ومستغربين أكثر من الغيمة هذه، لمستْ الغيمة نازعة يدّها مسرعة صارخة، رجعت للوراء بخطواتٍ، ركضنا إليها لنعرف سبب صراخها، مخبرة إيّنا وكأنّ الكهرباء صعقتها، نظرتْ إلينا فرجعتْ إلى فعلتها متّجهة مرّة أخرى إليها، ونحن نصرخ بأن لا تفعل، أخبرتنا قائلة بصوت مرتفع:

–           أليس لديكم أيّ فضول لتعرفوا ما هي؟ خاصة عندما صعقتني فهذا ليس شيء عادي، أريد أن أجرّبه، هيّا تعالوا…

ردّ عليها أمين بخوف وتردّد:

–           هل جننت؟ أخافتك وتردين العودة إليها؟ هيّا تعالي إلى هنا، هيّا يا هناء تعالي، أنت دائما تقعين في نفس المشاكل بفضولك…

لم تستمع إلينا، سمعت لصوت فضولها كعاداتها طبعا، رجعتْ خطوتين للوراءِ فبدأت بالرّكضِ اتجاه الغيمة، تبعتُها لأمسكها ولم أقدر على ضبطها، دخلنا الغيمة وكأنّ الكهرباء صعقتنا، أخذتنا الدّوّامة لداخلها والكل يتفرج علينا، اختفينا داخلها، أسرع أمين إلينا، داخلا فيها ليتمّكن من انقاذنا، اختفينا نحن الثّلاثة فيها والغيمة اختفت معنا، أحسسنا كأنّنا داخل كرّة، والمشكل لا نعرف إن كنّا نمشي أم نطير أم فقط واقفين في مكاننا…. كلّ واحد ينظر لغيره باستغراب بانتظار ماذا سيحدث…

هناء ضربت بيدها الكرّة لتخرج، بدأت تضربها بكل ما لديها، بيدها وبرجلها صارخة وكأنّها في حالة هستيرية، خفنا من صراخها هذا، فبدأنا نحن أيضا بضرب هذه الكرّة محاولين الخروج، نصرخ داخل الدوّامة دون جدوى، أصبحنا كأنّنا داخل قطار يجري بسرعة فائقة، وبنفس الوقت وكأنّنا نحلّق، اختلطت لدينا المشاعر، خوف، رعب، اندهاش… لا نعرف ما هي المدّة التّي بقينا فيها، حتّى أغمي علينا، فجأت صدمنا على الأرض بعد استفاقتنا…

” ” ”

كوكب الزّهرة

أوّل كلمة نطقتها هناء عندما وصلنا للأرض واو، عند رؤيتها المكان الذي صُعقنا إليه، داخل تلك الكرّة، كنّا نرى ما حولنا بطريقة خفيفة، كورق الشّفاف… فعلا واو، استطعنا الخروج بسهولة، نضحك كأنّنا استمتعنا بالرّحلة، كأنّنا جرّبنا شيء خوّفنا ثم ارتحنا بعدها، بدأنا ننادي بأصحابنا الآخرين دون جدوى، نظرنا إلى أطرافنا فالمكان تغيّر علينا، ليس هذا المكان الذّي كنّا فيه… منظر خلاب، ربيعي، في كلّ مكان أزهار، ألوان مختلفة، أين نحن؟ هل متنا؟ هل نحن في الجنّة؟ لم نرى في حياتنا مكان مثله، حتى لم نقدر على تخيّله ولو لمرّة، فراشات في كل مكان، ألوان لم نرى مثيلها متشكّلة فوق تلك الأزهار، وكأنّنا نرى في معجزة من معجزات الدّنيا، مكان ساحر، تقدّمت هناء ونحن نتبعها كأنّها هي رئيسة العصابة، هي المستكشفة، كلّما تقدمتْ فتحتْ فمّها أكثر، اندهشتُ واستغربتُ، أين هذا المكان؟ ماذا حدث معنا؟ هل دخلنا فقط في حلم كأحلام هناء الغير الواقعية؟

تقدّمنا أكثر، بدأتْ الأمكنة تتغيّر، الألوان تختفي، وتختفي معها الابتسامة، وجدنا أماكن مختلفة، أناس وكأنّهم بانتظارنا، أبصرونا عند سقوطنا، فقط ينتظرون من نكون، بلباس متغيّر، مختلفة عن لباسنا، خفنا لكن شعور الخوف هذه المرّة متغيّر، فعند سقوطنا رغم الرّعب إلاّ عند وصولنا للأرض وكأنّنا كنّا فقط في رحلة، وكأن الفراغ الموجود في قلبنا امتلأ…

لا نعرف ماذا نقول، كيف نتصرّف معهم، وكأنّهم أطفال، وعند اقترابنا إليهم وجدناهم كبار فقط قصيرين، ليسوا أقزام لكنّ تقريبا الكلّ أقصر منّا، أكبر طويل فيهم في هؤلاء القصر هو أقصر من هناء، لم نفهم المكان بعد، لم نقدر على استكشافه من أوّل نظرة… اقترب إلينا احدهم، طوله كطولنا، لا نعرف أنخاف منهم أم لا؟ بأيّة لغة نتكلّم بها هنا؟ كيف نتفاهم معهم؟ بدأ أمين ينقز هناء، تنظر إليه مستعملة إشارة مختلفة حتّى نحن لم نفهمها، أخبرها قائلا:

–           من هؤلاء؟

–           من هؤلاء؟ هل أنت مريض؟ نزلنا معا لا؟ أم تعتقد أننّي أتيت من قبل إليهم؟ أمين كنّا معا خطوة خطوة…

–           لكنّكِ السّبب في كلّ هذا أنظري ماذا حدث لنا بسبب فضولك، دائما توقعيننا في مصائب

–           ولكن في الأخير دائما تقولون أنّنا أستمتعنا

قاطعتُ كلامها قائلا بصوت منخفض:

–           دائما؟ هل تتذكّرين المرّة الأخيرة؟ كدنا أن نموت بسببك، ماذا نفعل الآن؟

اقترب أكثر الرّجل مخاطبا لنا باللّغة لم نفهمها، ثمّ مرّة أخرى الإنجليزية قائلا:

–           أهلا بكم، أنتم من الأرض؟

استغربنا، تكلّم بالإنجليزية، وأيضا سألنا إن كنّا من الأرض، فهل لسنا على الأرض إذن؟ أين نحن؟ بدأنا ننظر إلى بعضنا البعض، نتغامز، نستعمل إيماءات مختلفة… تكلّمت معه هناء قائلة:

–           نعم نحن من الأرض، أين نحن؟

–           أنتم في كوكب الزّهرة

–           ماذا كوكب الزّهرة؟ لكن نحن نعرف أنه لا توجد أيّة حياة في كوكب الزّهرة، وأيضا كيف بإمكانك التّكلّم بالّغة الإنجليزية؟

–           نحن أيضا كنّا من الأرض، أي أصلنا من الأرض، أمّا أولادنا ولدوا هنا، الذين تروهم بنفس الطّول…

–           أصلكم من الأرض؟ وكيف ذلك؟

–           أوّلنا هنا في هذا الكوكب هم من الرّوس، وهم من المركبة الروسيّة وصلوا إلى هنا عام 1961، ورحلتي كانت مع المركبة الأمريكيّة عام 1978… بعد تحطّم مركبتنا لم نقدر على بعث أيّة إشارة إلى الأرض رغم المحاولات الكثرة.

–           لكن…

–           هيّا لا يجب أن تنتظروا أكثر هنا، هيّا ندخل وبعدها نكمل الكلام

نظرنا إلى الأطراف ولم نرى أيّ منزل، كيف يقول لنا إذن أن ندخل إلى الدّاخل؟ أين هذا الدّاخل؟ تبعناه وتبعنا الكلّ، اتّجه إلى جبل صغير، استغربنا أكثر، يكون جبل، ثمّ واحة أرض، وبعدها يمكن أن يكون جبل آخر أمامه، لم نفهم هذا، فعندنا في الأرض إمّا أن تكون جبال، أو أرض عادية… دخل في نفق داخل الجبل ونحن تابعين له مستغربين من كلّ ما نراه، تمكّنا الدّخول، شيء يشبه الباب، قام بفتحه، دخلناه، وكأنّنا داخل بيت، غرف صغيرة متنوّعة، بيوت لصيقة داخل الأرض، ما هذا التّصميم؟ ولما ليست بيوتهم فوق الأرض مثلنا، تكلّم أحدهم بالعربية معنا قائلا:

–           لا يمكننا العيش فوق الأرض، فقط نستطيع الخروج في هذه الفترة من الزّمن، لسنا مثل الأرض كلّ 12 ساعة يأتي اللّيل، تقريبا عام كامل لن نرى الّيل، وفي عام آخر كلّه ليل، ونحن الآن قريبين للّيل، ففي العام أين لا نرى اللّيل، لا يمكننا الخروج أكثر من ساعة، وأيضا بلباس واقي، لأنّ درجة الحرارة مرتفعة، لهذا كلّ لباسنا متشابه…

رددتُ عليه قائلا وأنا في كامل حيرتي:

–           ولكن كيف تعيشون إذن؟ من أين تأكلون؟

–           تقريبا كلّنا علماء هنا، كلّ واحد له اختصاص معيّن، بعد اوّل رحلة نزلوا في النّهار، فقط ليعيشوا بقوا في مركّبتهم قدر الاستطاعة، عندما فقدوا الأمل بدأوا بالخروج، اتّجهوا داخل الصّخر كان موجود في هذا الجبل، منذ ذلك الوقت ونحن في هذه الحالة هنا، طبعا كلّ رحلة لهنا كان معنا بذور مختلفة لنجرّبها، وأيضا بعض الحيوانات، بذكائنا وعلمنا تمكّنا النّجاة، وهؤلاء الذّين تراهم بنفس الطّول تقريبا، هم أبنائنا، ربمّا عدم تعرّضهم للشّمس هو السّب فلا نعرف فعلا، رغم علمنا لم نكتشف هذا بعد

–           وكيف وصلت كرّتكم لنا؟

–           سنوات ونحن نحاول صنعها، لكن لم نتجرّأ على إطلاقها مع أي شخص منّا، خفنا أن يحصل لأحد منّا مثلما حصل معنا، صحيح علماء نحن، لكن تأقلمنا صعب، يوجد حياة هنا، لكن حياة صعبة، ربّما رأيتم بعض الأزهار والأشجار في مكان ما هناك، فقط كلّ واحد منّا يمكنه الخروج لمدّة ساعة بلباسنا هذا ويقوم بغرس ما أمكنه، ما يمكن أن يتعرّض للشّمس، وحتّى الكهرباء التّي تراها هنا، صنعناها من الشّمس، والذّي رأيتموه على شكل خزّان حديدي، هو ما بقي من المركبات صنعنا منها نوع من الخزّان الكهربائي، فعندما يأتي اللّيل ويبقى تقريبا نصف عام، نستعمل منه وباستهلاك قليل، نوفّر فيها قدر المستطاع… أيضا عند الخروج من الباب الآخر ستجد أنّنا غرسنا أشياء تنبت وتنمو فقط في الظّلمة، نزرعها هنا، وعند اللّيل يمكننا زرعها في الخارج…

الكلّ ساكت يسمع لحكايته هذه بإعجاب، هذا اعجاز علمي كما يقال، كيف أمكنهم العيش كلّ هذه المدّة؟ فلو واحد منّا لمات في يومه الثّاني إن لم نقل في يومه أو ساعته الأولى صحيح فهم علماء، بإمكانهم اكتشاف المعجزات… أضاف كلامه قائلا:

–           نسيت تماما سألتني عن كيفية وصل مركّبتنا لكم؟ نعم بعدما استطعنا إطلاق الأولى، جرّبناها، لنعرف مدّتها وكيفية رجوعها، حدثت القليل من المشاكل، والثّانية رجعت لنا، وهذه هي الثّالثة، استخدمنا تقنية بعد دخول أي شخص هناك وقت تنتظره، ثم تنطلق، ولا تفتح إلا عند وصولها إلى هنا، كنّا ننتظر هنا عالمين الوقت الذّي سيصله بالتّقريب… أردنا الرّجوع للأرض راجيين من نجاح المهمّة… بعد تأكّدنا هذا يمكن أن يذهب أي عالم منّا للأرض ليتمكّن من صنع مركبة لنا في الأرض ليعود من جديد إلينا ليأخذنا؟

–           لما لا نذهب بهذه المركّبة؟

–           ههه، تحتاج الكثير لتتمكّن الرّجوع، أوّلا يجب أن نجدد طاقتها، والطّاقة تأخذ أياّم، وأيضا لا يمكن أن تأخذ أشخاص كثيرة، في الحقيقة هي مصنوعة لشخص واحد، حقّا لا نعرف كيف نجيتم ثلاثتكم فيها…

انتظرنا هناك معهم، مخبرين لنا بأنّ الذّاهب للأرض يمكنه أخذ شخص فقط معه، كنّا نتشاور من منّا يمكنه الذّهاب معه، أخبرتنا هناء أنّها تتنازل عن مكانها فهي السّبب، في الحقيقة أعتقد بسبب فضوله المدمن هذا تريد الاستكشاف أكثر… لاحظنا توتّر أمين أكثر منّا، فهو يريد العودة أكثر لخطيبته، وأمّه المريضة… بعد 7 أيّام تمكّنوا من شحنها، فأخبرت أمين بأن يذهب هو مع العاِلم…

” ” ”

النّهار ليل

بقينا 3 أيّام إضافية فأصبح اليوم ليل، نخرج في أيّ وقت فقط نقتصد في الضّوء، الكلّ يجب أن يعمل هناك، وخاصّة في اللّيل، في الحقيقة لا نعرف متى نرقد بالضّبط ومتى ننهض، ليس لدينا مشكل الوقت، متى أردتُ اذهب للنّوم ومتى أردت بإمكاني النّهوض، فلولا الظلام لكانت حياة رائعة بالنّسبة لي، عندما كنت في الأرض أمّي تتعب معي لكي تنهضني في الصّباح، كنت أرغب بالصّهرِ، وفي الصّباح أجد صعوبة في النّهوض، لكن هنا لا يوجد هذا الإشكال، فقط الكلّ يحاول أن ينهض في وقت واحد، نزرع الكثير لندخّرها للعام المقبل، أي عام النّهار هكذا يسمّونه هنا…

” ” ”

المركبّة الجديدة وجنون جون

انتظرنا تقريبا 8 أشهر لظهور مركّبة جديدة، عند خروج أحدهم أخبرنا بأنّه لا يمكن أخذ الكلّ معه، لم يصدّقوا حتى العالم ذاك مئة بالمئة… بعثوه كمتطوّع مع العالم نفسه بعد صنعه المركّبة هذه، فكلّ المركّبات السّابقة لم تنجح، ولم يصدّقوا أنّهم نجوا وعاشوا في كوكب الزّهرة، فقط هناك تداولات بأنّه هناك حياة في كوكب المريخ، أمّا كوكب الزّهرة فهي منعدمة… هناء أرادت الرّجوع للأرض بقوّة، نظرت إلى الآخرين وخاصّة الأطفال من منهم لم يرى الأرض في حياته، أخبرتني بأنّها يمكنها الصّبر أكثر، لم أرغب بتركها هناك رغم رغبتي بالرّجوع، هي حبيبة قلبي منذ أن كنّا في صفنّا الأول في الجامعة، لكن بفضولها المستمر لم أتمكّن من إخبارها، دائما تذكّرني بأنّني أفضل صديق لها…

رحلت الرّحلة، فهم آتوا إلينا بمعرفتهم لاحتياجهم للطّاقة، لكنّ رحلتهم هذه تدوم أيّام طويلة… أخبرونا بأنّهم في إطار صنع مركّبة أخرى، ولكنّهم سينتظرون إشارة منهم بنجاحهم في المهمّة…

بقي القليل فقط منّا، دخلنا إلى بيت الجبلي هذا نفكّر كم يوم سننتظره بعد لملاقاة عائلتنا، العلماء يتحدّثون عن عائلاتهم السّابقة وأصدقائهم، وكيف سيتقبلونهم في مكان عملهم القديم… إذ برجل منهم المدعو جون بدأ يتشاجر مع أحدهم، خرجا مواصلين شجارهما، رجع إلينا مخبرا إيّانا أنّ صديقه توفي إثر سقوطه وليس من جرّائه، فركض للخارج مسرعا مرّة أخرى… فجاء أحدهم راكضا يلهث بأن جون قتل ذلك الصّديق عمدا، رآه بأنه فعل هذا عن عمد… استغربنا وخاصّة أمّه العالمة، لما يفعل هذا جون؟ وأيضا لم تحدث أيّة جريمة هنا في كوكب الزّهرة، كأنّهم عائلة واحدة أو أكثر… خرجنا لنعرف ماذا يحدث، وجدناه يضرب في شخص آخر، صرخت أمّه عليه وماذا دهاه بفعلته هذ؟ أصبح يهدّد بقتل الكلّ هنا، أخبرنا قائلا بصراخه المستمرّ:

–           في المرّة المقبلة أنا الذّي سأذهب في المركّبة، سأذهب للأرض تاركا هذا المكان، منذ ولادتنا وأنتم تتكلّمون عن الأرض، أنا أريد أن أذهب إليها، لا اٍريد البقاء أكثر هنا…

ردّت عليه أمّه قائلة:

–           جون ماذا دهاك؟ هيّا تعالى إلى الدّاخل هيّا لا تتحامق أكثر بني، في المركّبة المقبلة ستكون من الذاهبين أأكدّ لك.

–           أعرف أنك تكذبين عليّ، لما إذن لم أذهب من قبل؟ أعرف لأنّني مجنون ومختلف عن الكلّ، لذا لا تريدون أخذي معكم إلى الأرض…

ردّ عليه الكلّ له قائلا:

–           ستذهب أنت من الأوائل، لا تقلق جون ستذهب أنت الأوّل…

هدأ جون مدخلة إيّاه أمّه، هو مريض نفسي، يرى تهيآت، حتّى في هذا الكوكب هناك مرضى نفسيين، ظننت وجودهم في الأرض فقط بسبب كلّ المشاكل التّي نمرّ بها، حتّى هنا هناك عائلات تعاني من أبنائها، مشاكل متنوّعة معهم، مشاكلهم ليست متشابهة كثيرا معنا، فهم يعانون أكثر منّا رغم أقلّيتهم…

بعد جلوسنا نهض جون مرّة أخرى، لاحظنا نوبته المتجدّدة هذه، أغلق علينا الغرفة وهو خارجها، نتوسّل إليه أن يفتحه دون جدوى، أخبرتنا أمّه أن نتركه إلى أن يهدأ، سيفتحها لوحده… أكثر من 12 ساعة ونحن في تلك الحالة، ليس لدينا لا أكل ولا شرب، إن لم يقتلنا جون سيقتلنا الجوع والعطش، أخبرتنا أمّه بأنّه يمكننا أن نعيش هكذا لأكثر من 6 أيّام، لكنّها لم تُطمئنّا بكلامها هذا، فهي تعوّدت عندما سقطت مركّبتها أوّل مرّة هنا، أمّا نحن فكيف لنا الصّبر كصبرها، لسنا متعوّدين…

جلستُ قرب هناء مخبرا إيّاه ووجهي محمرّ من الخجل:

–           هناء أريد أن أخبرك شيء قبل أن نموت.

–           ماذا تريد؟

–           في الحقيقية أردت إخبارك دائما لكنّني تردّدت.

–           أخبرني ماذا تريد أن تقول؟

–           أحبّك…

نظرتْ إليّ غير مستغربة، مسكتْ ذراعي بيديها واضعة رأسها على كتفي دون صدور أيّ كلام منها، لم أعرف هل هذا يعني أنّها تبادلني الشّعور أم فقط لا تريد جرحي لأنّنا سنموت هنا؟

استحملنا ساعات أخرى دون جدوى، حاولنا كسر الباب، وفي تلك الأثناء دخل جون حاملا معه شيء يشبه عصى حديدية، كلّ من يحاول الاقتراب إليه أو الخروج يقوم بظربه بها… اقتربت إليه أمّه دون جدوى، هدّدها هي الأخرى، أثناء ضربه لفتاة معنا، محاولا أخذها، أخذت أمّها حجرة كبيرة موجودة في الغرفة ضاربة إيّاه على رأسه، أسقطته أرضا، تنادي بجون ليستفيق، تصرخ قائلة:

–           ماذا فعلت؟ قتلت جون، بني أرجوك انهض…

تحسسّنا نبضه وجدناه حيّ، وهذا أيضا يحدث في الأرض السّيئين لا يموتون بسهولة، لكنّ جون ليس سيء باعتقاد أمّها، فهو مريض… أخبرها أحدهم بأن تربطه، فليس لدينا حلّ آخر عند استفاقته، فعندما تأتيه هذه الأزمة تستمرّ أيّام… ربطناه في انتظار استفاقته…

” ” ”

العودة إلى الأرض

وفي هذه الأثناء وصلت المركّبة، لم نشعر حتّى بها للهينا بجون، سمعنا صوت ينادي، ركض أحدهم مشاهدا إيّاه، رجع إلينا مخبرا بأنّ المركّبة وصلتْ، أمّ جون تنظر إليه وتبكي، والكل كان يركض باتّجاه المركّبة، رجعتُ إليها مساعدا لها في أخذ جون معنا…

حتّى في المركّبة قاموا بربطه، خائفين منه حتّى بعد أن حقنوه بمهدّئ…

وصلنا إلى الأرض، لكنّنا في أمريكا، ليس في أرضنا نحن، أخذون معهم، الأخبار تنتشر ببطولات الكلّ في كوكب الزّهرة، أصبحنا مشهورين هنا، معروفين، أضحينا منقذهم… عندا رغبتنا بالرجوع هناك اختلاف في رأي هناء، ترغب بالرجوع، لكن في نفس الوقت ترغب بالمكوثِ، تريد أن تكتسبهما معا، هي منقذة هنا، لكن في بلدنا هناك عائلاتنا، أصدقائنا، ذكرياتنا، دائما كانت تقول أريد المغادرة الى مكان اين لا يعرفني أحد، لكن عندما وصلت الحقيقة ارادت العودة… فلا نستطيع معرفة الانسان، داخله دائم التّغير…

رجعنا إلى موطننا، سائلا إيّاه عن رأيها في كلامي معها، بدأت تغيّر الكلام عن أيّ كلام أقوله، رددت عليها بحبي لها، أخبرتني قائلة:

–           إذن لما أنا دائما معك؟

–           لماذا؟

–           لأنّنني أريدك دائما معي أنا أيضا…

16 تعليق

  1. عبدالله الشريفي

    نص رفيع المستوى . لكم التوفيق سهام يحياوي

    • الف شكر استاذ على كلماتك ومرورك الكريم. والف مبروك على تاهلك في التصفيات الثانية . وان شاء الله تكون من الاوائل استاذ عبد الله

  2. Bonne courage ma chérie et bonne continuations et vraiment une très belle histoire je te souhaite bcp d succès

  3. ماشاء الله صديقتي سهام اخذتني روايتك بسلاستها الى رحلة الزهرة كما اخذتني رواية ارض زيكولا ..ابدعت مزيد من التفوق ان شاء الله .

    • الف شكر عزيزتي سماح على مرورك وتشجيعاتك. تعليقك وكلماتك شرف لي من فنانة مثلك
      دمت متالقة ومبدعة

  4. ماشاء الله صديقتي سهام ، اخذتني روايتك بسلاستها الى ذلك العالم كما اخذتني رواية ارض زيكولا ..الله يوفقك يا رب ومزيد من الابداعات ان شاء الله

  5. مرحبا، لقد لفت انتباهي أثناء مروروي على القصص الأكثر قراءة، العنوان الذي اخترتيه والذي يشبه لحدٍ ما عنوان رواية الرجال من المريخ والنساء من الزهرة فقررت قراءتها.
    حسنا لسبب ما أجد نفسي هذه الأيام مولعا بقصص الخيال العلمي والفضاء ومنجذبا اليها عن غيرها من صنوف الأدب ولهذا استحسنت القصة قبل قراءتها حتّى! لكن للأسف وددت فقط لو لم تقومي بإنهائها بتلك السرعة؟!! أقصد المغامرات التي من المفترض أن نراها في كوكب الزهرة (باعتبارها العنصر الرئيسي الأول في القصة) لكنك تعجلت كثيرا في السرد وتخلصت منها بسرعة -أتفهم ذلك وأعرف أنه ليس خطأك لكن \: أجد أنّ الأمر مزعج لحدٍ ما وكأنّ هناك حلقة مفقودة-
    على أيٍ القصة أزاحت عني بعض الملل وأعادتني لذكريات نادين وآلة الزمن، تمنيت فقط لو لم تنتهي بسرعة، بالتوفيق =)

    • سعيدة بتعليقك المميز أيها الزّائر، وعن انتهاء القصة بسرعة عزيزي الزّائر فهذا لأنها قصّة وليست رواية، حيث أن عدد الكلمات في القصة أحيانا تكون من 500 كلمة وتصل أحيانا إلى حد 3500كلمة، أشكرك كثيرا على مرورك الكريم والذي أسعدني أكثر التعليق الذي تركته، كما أنصحك بتصفح القصص الأخرى للزملاء هنا فهناك قصص تستحق القراءة والتقدير
      شكرا مرة أخرى لمرورك الكريم

  6. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاتب
    الانتقال المميز أو الغير ظاهر مع أنه سلسل ينقلنا من ضفة لأخرى دون الشعور بالملل بل الرغبة في التعمق أكثر والتوغل في كوكب الغيمة التي ترافق قارئ القصة
    مميزة أستاذة سهام
    بالتوفيق والنجاح أن شاء الله

  7. سهام يحياوي

    ألف مليون شكر استاذ محمد مختار، ومليون مبروك لتأهل قصتك التي تستحق الجدارة، ونتمنى أن تكون من الأوائل

  8. سهام يحياوي

    ألف شكر أستاذ محمد، وألف مليون مبروك لحظرتك، ولقصتك الرائعة، ونتمنى لك الفوز وتكون من الأوائل

  9. مبروك صعود القصه المميزه للمرحله التانيه .. كامل التوفيق لحضرتك وكل المشاركين…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: