الرئيسية / أشعار وقصص وروايات / الغريب (قصة) بقلم / وفاء محمد عبد الحميد
وفاء محمد عبد الحميد

الغريب (قصة) بقلم / وفاء محمد عبد الحميد

الثقل في جسده، عينان غائرتان يتدلى فوقهما جفنه، تعانقمها التجاعيد التي تمتد من نهاية عينيه كأنها رُسمت بالكحل الفرعوني، وارتسمت كأمواج الرمال في الصحراء علي جبهته، شفتان أصابهما التشقق وأبيض لونهما، الذبول يحفر أخاديداً في ملامحه، تثائب ببطء ليكشف عن أسنانه التي التهمها دخان السجائر، حرك يده المرتعشة ببطء ليتناول نظارته الطبية من علي المنضدة كما اعتاد، لكن لم يجد المنضدة، فتذكر أنه رحل..

بعد صراع دام لما يقرب الدقيقة ونصف مع آلام فقرات ظهره تمكن من النهوض، كل شيء مختلف، الأرض، السقف، الحوائط، كل شيء، هو كالنخلة التي تم حقنها بالسُم وتنتظر أن تتيبس جذورها وتموت، هذا المكان سُم يسري في شراينه، هذا المكان يضيق به، يضيق بنفسه، يفتقد الدفيء الذي كان يحيطه به جدران غرفته، يفتقد سريره الوثير الذي شاركة أجمل أحلامه، وأسوء كوابيسه، وتمنى لو شاركه نهايته. نظر للسرير الجديد شاكيًا له بصوت مرتعش وضعيف “لا أريد أن تقبض روحي هنا….لست أنت من أردته…أنت لا تعرفني حتي.”

انثالت الدموع علي خديه المترهلين، وأمسك عكازة بعد أن أعياه الوقوف وآلمته مفاصله، وإتكأ علي عكازة وخرج من سجنه.

لا يعرف ماذا يفعل يفتقد “القهوة” التي التهمت نصف عمره، يفتقد صوت “الواد علي” وهو يحضر له قهوته بالقرفه والزنجبيل، وثرثرته الدائمة حول كل شيء لا يمهمه، يفتقد رائحة قهوته الصباحيه وهو يحل لعبة الكلمات المتقاطعة، يشتاق لصوت النرد وهو يتراقص علي سطح رقعة الطاولة، كل هذه الذكريات تخنقه، تذكر أصدقائه الذي شهد يوم احتضنتهم الأرض جميعاً، كان دائماً في أول صفوف العزاء، لكن هل سيجد من يحزن لأجله ويملأ الصفوف كما امتلئت صفوف رفاق دربه… وحيد والنهاية بعيدة رغم علامات قربها.

هو كالشجرة التي تم اقتلاعها من أرض خصبة لزراعتها في بحر مالح لا يفهمها ولا تفهمه، وينتظروا منها أن تتأقلم وتنمو جذورها من جديد. جلس في الحديقة ليرى من سجنوا قبله، تأمل خطواتهم البطيئة وأجسادهم الهزيلة والهشة، أدرك كم هو بطيء حين تأملهم وأصابه الملل. قال لنفسه ساخراً “كان عليهم أن يلقوا بنا هنا، لو ظللنا بالخارج لدهستنا السيارات، وتورمت أجسادنا من صدمات الزحام التي سيصدمنا بها المارة، ربما لم تكن نهايتي علي فراشي كما نهاية زوجتي، بل ربما كانت تحت إطار سيارة أو دهسًا بالأقدام في أحد الشوارع المكتظة.”

  • شعر كم هي الحياة مُهينة، نأتي إليها عراه ونخرج منها عراه، تذكر طفولته، شبابه، وشيخوخته، كل شيء مر أمام عينيه قبل أن تُظلم، تذكر زوجته، شعر بأنفسها حوله، شعر بيديها تحتضن يده وتخبره أنها معه، جاءت اللحظة التي انتظرها طويلًا، “آآآآآآآآآآه يابني…لماذا لم تنتظر يومين..يومين فقط كانت روحي ستقبض علي فراشي.” قالها مستسلمًا لما يحدث، فقد زمام الأمور، الظلمة تحيطه ولكنه يسمعهم، يسمع العجوز وهو يخبرهم بأنه لا يتنفس وأن جسده بارد، كيف هذا والدفء يغمره كما لم يحدث من قبل، شعر بيد العجوز المرتعشة تهز جسده، سمع صوت أقدام تبتعد وأخرى تقترب، الرعشه توقفت كل شيء سكن فجأة ، آلام مفاصله وفقراته لم يعد يشعر بها، شعر بأنه أخف، لكنه لم يسمع صوت أبناءه، سيذهب دون أن يعرف مقدار حزنهم، ودون أن يحتضنه سريره الذي يعرفه، سيرحل غريبًا مثلما جاء غريبًا.

وفاء محمد عبد الحميد

مدينة السادات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: