الرئيسية / اخبار وحوارات / الأديب الجزائري عزالدين جلاوجي في حوار خاص (واحة خضراء للفكر والأدب)
عزالدين جلاوجي

الأديب الجزائري عزالدين جلاوجي في حوار خاص (واحة خضراء للفكر والأدب)

#الـقـلـم_الـحـر : الجزائر  – اجرى الحوار / نجاة مزهود  …………………………

عندما تجلس إليه تشعر أنك أمام موسوعة أدبية وتاريخية، يأسرك بتواضعه، ويحلق بك بعيدا بأفكاره الراقية..إنه الروائي الكبير الدكتور عزالدين جلاوجي صوت من الأصوات الأدبية المضيئة في سماء الأدب الجزائري والعربي، حاز على تقدير واحترام وإعجاب كل من اطلع على إصداراته ومنجزاته الأدبية المتنوعة التي اتخذها الطلاب والباحثون مرجعا لدراساتهم ومذكرات تخرجهم.

كما كرم الأديب في عدة مناسبات وطنية وعربية لما قدمه من منجزات أدبية فذة.    وتصادف أن حضرت ندوة احتفاء بصدور روايته الجديدة “الحب ليلا في حضرة الأعور الدجال”  مناسبة  سانحة لإجراء حوار معه للتعرف على تجربته الإبداعية الثرية، فلقد أثرى الساحة الأدبية ابتداء من تسعينيات القرن الماضي (25 سنة مضت) حملت في دروبها  ثروة أدبية كبيرة من السرد والمسرح  والقصة والنقد وأدب الطفل، فقدم  أكثر من ثلاثين كتابا في شتى الأجناس الأدبية، وقد صدر له (8) ثماني روايات تحمل بعدا اجتماعيا وإنسانيا عميقا.

بالإضافة إلى ثراء منجزه المسرحي الذي صدر له فيه أكثر من 13 مسرحية، وكتب أيضا في مجال النقد وله أكثر من 6 إصدارات، واصدر لأدب الطفل 5 قصص و40 مسرحية وكان لكل هذا الزخم خصوصيته التي تجلت في خوض غمار التجريب ومساءلة التاريخ والاغتراف من الموروث مع لغة شعرية راقية مغرية للمتلقي، وقد أثرى الأديب عزالدين جلاوجي الساحة الأدبية بنصوصه الأدبية الراقية، مما جعل النقاد والباحثين في كل الوطن العربي يولون هذه النصوص اهتماما كبيرا بالدراسة والبحث، كما قدمت عنه المئات من البحوث والرسائل الجامعية في الجزائر وبعض الدول العربية، و تمتاز النصوص الأدبية سردية أو مسرحية بالموضوعية ودقة الأسلوب وجزالة اللغة.

أما على الصعيد الثقافي فقد آل الأديب على نفسه تحريك المشهد الثقافي الأدبي وإبراز دوره الفعال في تطوير وترقية المجتمع بتقديم ندوات وملتقيات فكرية وثقافية.

علما أن الدكتور عزالدين جلاوجي يقود أكبر جمعية ثقافية وطنية بالجزائر هي رابطة أهل القلم التي يناضل كل أعضائها من الأدباء والأكاديميين للنهوض بالفعل الثقافي بالجزائر، عبر كل المكاتب المنتشرة في ولايات الوطن.

وفي هذا اللقاء مع الأديب عزالدين جلاوجي نحاول التعمق  في مسائل أدبية  وثقافية فرضت نفسها على الساحة، وتباينت فيها وجهات النظر. بل إن الحوار مع الأديب هو هدف بحد ذاته ورسالة سامية نريد من خلالها التعريف بهذه الشخصية الأدبية الكبيرة باعتباره أحد أقطاب الأدب والفن في عالمنا المعاصر، وقد وضع قواعد وأسسا فنية وسردية فريدة من نوعها، مثل منحوتاته السردية والمسرحية التي سماها بالمسردية، واكتشافه لمسرح اللحظة الذي صدر له في سنة 2017 بعنوان” مسرح اللحظة”

 

س1/ كانت هذه مقدمة بسيطة عن الأديب والروائي الدكتور عزالدين جلاوجي ولاشك أنها غنية بمحتوياتها، دكتور دعنا نتوجه بسؤال كبداية للحوار ونبدأ من جديدك في مجال الرواية، “الحب ليلا في حضرة الأعور الدجال”، من 600 صفحة وهي رواية كبيرة الحجم والمعنى، وقد احتفى بها القراء والإعلام هذه الأيام احتفالا كبيرا، لماذا هذا العنوان الغريب؟ وما موضوعها؟

 

ج/ “الحب ليلا في حضرة الأعور الدجال” هي روايتي الثامنة، وهي إحدى أجزاء  ملحمة كبرى من سبع أجزاء في تاريخ الجزائر، كتبت فيها جزئين حتى الآن فيما يقرب من 1200 صفحة، أرجو أن أوفق في إكمال مشروعي الإبداعي.

إن كان العنوان غريبا فهو جيد، لأن من أغراض العنوان الإبداعي الإغراب وإثارة الحيرة والدفع إلى طرح الأسئلة، أما عن موضوع الرواية فإنها تغطي حياة الإنسان الجزائري بكل زخمها  خلال فترة ثورة التحرير المباركة، وبقدر ما سعيت إلى كشف الهمجية الإبادية التي مارسها الاستعمار الفرنسي، عملت على كشف عبقرية الشعب الجزائري في تمسكه بأرضه وقيمه وانتمائه العربي الإسلامي، ووقفت في هذه الرواية عند محطات كثيرة من تلاحم كل الشعوب العربية مع الشعب الجزائري، مثل الشعب التونسي والمصري  والعراقي مما هو متداول في التاريخ، ومثل ما قدمته ليبيا والسعودية شعبا وسلطة مما يحاول البعض طمسه لأغراض مختلفة، وهذا يندرج في إطار سعي الرواية لكتابة المهمش والمسكوت عنه.

 

س2/ هل تلك هي وظيفة الرواية التاريخية؟ وأنت بملحمتك ستكون رائدا في كتابة ذلك جزائريا على الأقل؟

 

ج/ بدأت الرواية التاريخية من روايتي الفراشات والغيلان التي عالجت من خلالها التصفية العرقية والدينية التي تعرض لها سكان كوسوفا على يد الصرب، وكانت الرواية دعوة للمحبة والتسامح ونبذ الحروب بسبب ديني أو عرقي، وحاولت أن أبرز فيها الدور العربي الإنساني المشرق، وقد ترجمت هذه الرواية إلى الإسبانية، ثم كانت روايتي العشق المقدنس والتي تأرجح فيها العاشقان السارد وهبة بين ماض سحيق هو الدولة الرستمية والتي أسقطها الشيعة، وبين مستقبلٍ نواصل فيه حروبنا المذهبية والطائفية استنادا إلى نصوص نسبناها ظلما وعدوانا إلى الرسول الأكرم تكفر الناس وتبيح دماءهم، وكل فرقة تدعي أنها الفرقة الناجية وغيرها في جهنم، إنها دعوة لإعادة مساءلة الموروث الديني خاصة الحديث، وإعادة غربلة الركام الكبير من جبال الفقه والتفسير لتنقيها من الزيف والتحريف ومن التطرف والعنف، لأنها كانت ابنة عصرها وظروفها وشروطها التاريخية، ولنا نحن الآن شروطنا وظروفنا، ثم يأتي هذا المشروع الروائي  السباعي وهو تاريخي أيضا، يستغرق ما يقرب من قرنين منذ سنة 1830 إلى يومنا هذا في آلاف الصفحات، وهو عمل تخييلي ملحمي يتطلب جهدا وتفرغا.

 

س3/ من خلال كلامك دكتور نفهم أننا بحاجة إلى فهم عمق التاريخ والموروث حتى نطور الحاضر ونبني المستقبل؟

 

ج/ إن الرواية التاريخية لا تقول التاريخ بقدر ما تقول الحاضر والمستقبل، إنها وهي تقف على ماضينا تتطلع إلى المستقبل فلا فائدة من ماض نقرأه ولا نستفيد منه، وأتصور أن لنا تاريخا عملاقا فرطنا فيه جماليا، أو على الأقل لم نكتبه بالعمق الفني الذي يليق به، وأنا في هذا الباب مصر على إعادة كتابة السيرة النبوية وكتابة سيرة الصحابة بمثل هذه الروح، وبمثل هذا التخييل الذي يملأ فجوات ملأها الأسلاف بما لا يليق، وكم أنزعج حين أقرأ سيرة ابن هشام مثلا، أو حتى حين أشاهد فيلم الرسالة الذي تحضر فيه المعارك والدماء ويغيب البعد الإنساني العميق في السيرة أو يكاد.

 

س4/المعروف دكتور عند النقاد الذين يتابعون تجربتك جزائريا وعربيا أنكم تخوضون غمار التجريب، حتى عرف بكم وعرفتم به، لماذا الرهان على التجريب؟ وأين تجلى في كتاباتك؟

 

ج/ الإبداع تجريب، لا يمكن أن يكون لنا إبداع ما لم يكون هناك تجريب، أو على الأقل يمكن القول إن التجريب هو الروح السارية في الكتابات الإبداعية الكبرى، المخيال الذي لا يرضى أن يجتر، ولا يرضى أن يكون نسخة مكررة، ولا يرضى أن يكون مجرد ظل، هو المخيال الذي يرتاد آفاق التجريب، الإبداع كالنهر المتدفق لا يمكن أن يجري مرتين، ولذا أتجنب دوما أن أكرر نفسي داخل نصوصي، أسعى لأن يكون لكل نص طعمه وعالمه وخصوصيته، وقد بدأت ذلك في مجموعاتي القصصية الأولى، ثم في الرواية بعد ذلك خاصة، ابتداء من روايتي سرادق الحلم والفجيعة التي شكلت تمردا على مستوى هندسة النص ولغته وشخوصه وكل عناصر السرد الأخرى، والأمر تحقق أكثر مع “المسردية” التي حاولت أن أرسم فيها شكلا جديدا للكتابة المسرحية، ثم مع “مسرح اللحظة/ مسرديات قصيرة جدا”، والذي قدمت فيه رؤية جديدة لكتابة المسرحية وعرضها.

ويجب أن نمضي على درب المغامرة التجريبية لتشمل كل الأجناس وكل الفنون، وعلى النقد أن يحتضن هذه التجارب، خاصة وقد صرنا أمة عقيمة لا تحسن إلا تقليد الآخر، مع أننا قادرون على تقديم الإضافة للثقافة العربية والعالمية.

 

س5/ يغلب على تجربتكم الروائية حضور العوالم العجائبية، وحضور الموروث الشعبي خاصة، هل تعتقد أن ذلك قدم شيئا لنصوصك؟

 

ج/ لا يكتسب النص الروائي شرعيته إلا من انتمائه وجذوره، أكافح من أجل كتابة نص يمثلنا ويقولنا، ويقرأنا الآخر من خلاله، وموروثنا العربي والشعبي مليء بعوالم التخييل المبهرة، وإذا كانت الأمم سرديات على حد قول إدوارد سعيد، فإن الأمم تخييل أيضا، بل يمكن أن نقول إن الأمم الأكثر تخييلا هي الأمم الأكثر توازنا واستمرارا، حضور الموروث الشعبي بكل ما يحمل من زخم ومن دلالات وأعماق يجعل النص أقرب إلى نبضنا، ويجعله أقدر على التعبير، والدليل أن حضارة الغرب كلها قامت على حضارة اليونان والرومان، وهي مليئة بالأساطير والعجائبية، وحتى نهضة اليابان والصين وغيرها، بل إن أهم نظريات الرواية تعيد أصلها إلى الملحمة مرة كما ذهب إليه هيجل وإلى الحكاية الشعبية مرة أخرى  في رأي باختين، فما يمنعنا عن الالتفات إلى ألف ليلة وليلة وتغريبة الهلاليين وعشرات السير ابتداء من سيرة سيف بن ذي يزن؟ إضافة إلى المحليات من السير والحكايات التي نشأنا عليها، وكان أجدادنا وآباؤنا يقصونها على مسامعنا “بقرة اليتامى، حديدوان، ذياب لهلالي، وغيرها”.

 

س6/ مادمت دكتور تتحدث عن التجريب بحماس فهل يمكن اعتبار التجريب مغامرة محمودة العواقب؟ ألا تراه فوضى يمكن أن يعصف بالفعل الإبداعي؟

 

ج/ نعم يكون فوضى إذا لم يرتكز على أسس ينطلق منها، وأهداف محددة يصل إليها، لا يمكن أن يكون هناك تجريب ما لم يكن هناك أفق يحدده المبدع وغاية يسعى لبلوغها، ومن أسس ذلك الوعي والمعرفة والسياق الحضاري، إن كبار شعراء قصيدة التفعيلة هم كبار شعراء العمودي، ولم يكن بيكاسو ولا دالي غفلا من المدارس الفنية التي سبقتهم، فغمار التجريب لابد أن يخاض بسلاح الوعي التام بالفعل مع التسلح بالمعرفة الكافية والاشتغال ضمن سياق حضاري ينتمي إليه المبدع والنص.

 

س7/ ردفا على كلامك دكتور، هل المشهد العربي بحاجة إلى خوض غمار التجريب؟

 

ج/ أتصور أننا في المشهد الثقافي العربي أحوج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى خوض غمار التجريب بدل أن نظل لاهثين وراء كل جديد يأتينا من المركزية الغربية، ولنا في تراثنا جهود جبارة يمكن استغلالها بوعي لكتابة ما يقولنا ويمثلنا طبعا دون أن نتقوقع على أنفسنا، لقد أخذنا الرواية والمسرح من الغرب وليس من اللائق أن نظل لاهثين خلف ما يُحدِثْ الغرب فيهما من تغيير كأننا رجع صدى، والأمر أشنع بالنسبة للنقد، الذي ظللنا نطارد مدارسه التي لها ظروفها ومحيطها ومرجعياتها وخلفياتها الفلسفية، من الكلاسيكية إلى ما بعد الحداثة.

والمتتبع لتجربتي يلاحظ أني مارست فعل التجريب ابتداء من أعمالي القصصية، من خلال القصة المتشظية ثم القصة المشطورة وغيرها، والأمر ذاته في الرواية خاصة في رواية “سرادق الحلم والفجيعة” ورواية “حائط المبكى” التي لم تتوقف عند تداخل فنون القول كالشعر والرحلة بل تعدتها إلى تداخل الفنون كالموسيقى والسينما والفنون التشكيلية، ثم في المسرح من خلال مشروع المسردية، والمسردية القصيرة جدا ومسرح اللحظة.

 

س8/ فلنبتعد قليلا عن الرواية والتجريب، ولنعرج على عالم الأطفال، بما أنكم خضتم عالم الكتابة للطفل وقدمتم قصصا للأطفال وأربعين مسرحية لهم أيضا، من خلال ذلك كيف تقيم التجربة العربية في هذا مجال أدب الطفل؟

 

ج/ لست مؤهلا أن أقيم التجربة العربية الموجهة للأطفال، ولا شك أنها استغرقت عقودا طويلة، وقدمت أسماء لامعة في الشعر والقصة والمسرح يمكن أن نذكر منذ شوقي والكيلاني إلى اليوم عشرات الأعلام، ويقينا هناك جهد كبير في الجزائر بدأ في أحضان جمعية العلماء خصوصا والحركة الإصلاحية عموما منذ عشرينيات القرن الماضي، غير أني لست مقتنعا بما قدم، كان يمكن أن نقدم للمستقبل أكثر مما قدمنا، وأتصور أن ما يقع من عنف من شباب اليوم والذين كانوا صغارا منذ عقدين فأكثر كان بسبب خيبتنا في بناء عقول أطفالنا، وأدب الطفل أحد وسائل تحقيق ذلك، لا بد من إقامة مؤسسات تسند لأهل الخبرة تشتغل على مراقبة ما يقدم لأطفالنا، وتقديم الجيد الراقي، الذي يغربل لهم ما يصلهم مما يسممهم من موروثنا أو من ثقافة وموروث الغير، فيصيبهم بالانحراف، ويجعل منهم قنابل تنفجر فينا دون وعي منهم.

 

س9/ لنخرج عن عالم الأدب إلى الواقع العربي المتشظي، إلام ترد ما يقع الآن في رأيك؟ وكيف السبيل إلى الخلاص من ذلك؟

 

ج/ فعلا يمر الوطن العربي بوضع مأساوي، صار الأبناء يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، أتصور أن السبب وراء ذلك الوعي السلبي الذي فرخه بعض المرضى من اتجاهات مختلفة، ومنهم بعض رجال الدين الذين وفرت لهم المنابر والقنوات والمطابع ليشحنوا المجتمع بثقافة التخلف والغباء والكراهية والإقصاء باسم الدين حينا وباسم الديمقراطية والحداثة والمذهبية والعصبية حينا آخر.

لكني لست متشائما أبدا، مرت علينا فترات أحلك منذ التتار إلى الصليبيين إلى الاستعمار الحديث، نحن الآن أفضل ألف مرة، لنا دول قائمة، ولنا شرائح عريضة من المثقفين والمتعلمين وحتى من العلماء في كل مجالات الحياة، وحققنا خلال خمسين سنة السابقة استقرارا ونهضة مهما شابها من نقائص فهي موجودة، ولتجاوز المحنة لابد أن نحمل الطبقة المثقفة المستنيرة الواعية الجامعة بين التراث والمعاصرة، نحملها مسؤولية النهضة بالأمة، وبث روح الأمل والعمل والحضارة، وفي الآن ذاته يجب سد الطريق أمام أصوات الجهل والتخلف والفتنة والعصبية، تحت أي اسم، وتحت أي شعار، وعلى المجتمع كله شعوبا وقادة أن يسهموا في ذلك أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: